شئ للوطن م.صلاح غريبة- مصر الشباب السوداني في مصر: نواة التغيير

Ghariba2013@gmail.com
يُحتفى باليوم العالمي لرواد الأعمال في 21 أغسطس من كل عام، وهو ليس مجرد مناسبة للاحتفال بقصص النجاح الملهمة، بل هو فرصة للتفكير بعمق في أهمية ريادة الأعمال كقوة دافعة للتغيير الاقتصادي والاجتماعي. في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها السودان، تصبح هذه المناسبة أكثر أهمية، إذ تفتح الباب أمام سؤال محوري: كيف يمكننا أن نصنع مجتمعًا من رواد الأعمال للمساهمة في إعادة إعمار السودان؟ وكيف يمكن للشباب السوداني المتواجد في مصر أن يكون نواة لهذا التغيير؟
إن بناء اقتصاد قوي ومرن يتطلب عقولًا شابة قادرة على الابتكار، وتحويل الأفكار إلى مشاريع حقيقية. إن التحديات التي يواجهها السودان اليوم هائلة، لكنها تحمل في طياتها فرصًا كبيرة لمن يمتلك الرؤية والشجاعة لتحويلها إلى حلول. وهنا يبرز دور ريادة الأعمال، فهي ليست مجرد إنشاء شركات، بل هي منهج تفكير يعتمد على حل المشكلات، وخلق القيمة، وتحقيق التنمية المستدامة.
إعادة إعمار السودان ليست مهمة حكومية أو دولية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية يشارك فيها الجميع. رواد الأعمال هم القادرون على سد الفجوات الاقتصادية، وابتكار حلول للمشاكل الملحة في مجالات مثل الزراعة، والصحة، والطاقة، والتكنولوجيا. يمكن لرائد الأعمال السوداني أن يساهم في إعادة بناء بلده من خلال خلق فرص عمل، فالمشاريع الجديدة توفر وظائف للشباب، مما يقلل من البطالة ويحسن من مستويات المعيشة، بجانب تنشيط الاقتصاد المحلي، كما أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد، وتعمل على تحفيز النشاط التجاري وتداول الأموال محليًا، ورواد الأعمال الاجتماعيون يمكنهم إطلاق مبادرات تعالج قضايا أساسية مثل نقص المياه النظيفة، أو صعوبة الحصول على التعليم.
لكن، كيف يمكن تحويل هذا الطموح إلى واقع؟ يتطلب الأمر خطة متكاملة تبدأ من حيث يتواجد الشباب السوداني الآن، وهو في مصر.
إن وجود عدد كبير من الشباب السوداني في مصر بسبب ظروف الحرب ليس مجرد تحدٍ، بل هو فرصة ذهبية. هذا الشباب يمتلك الطاقة، والرغبة في العمل، والرؤية لمستقبل أفضل. يمكن أن تكون مصر بمثابة “حاضنة” لهم، حيث يمكنهم تطوير مهاراتهم، وبناء شبكاتهم، وإطلاق مشاريعهم الأولى.
لكي يتحقق ذلك، يجب التركيز على برامج التدريب التحويلي، فالمطلوب من المؤسسات المصرية والدولية والمنظمات السودانية في مصر ومبادرات التدريب السودانية بمصر، ومكتب التدريب بالمجلس الأعلى للجالية أن تكثف من برامج التدريب التحويلي التي لا تقتصر على الجانب النظري، بل تمتد لتشمل التدريب العملي والتوجيه (Mentoring). هذه البرامج يجب أن تركز على المهارات التي يحتاجها السوق في مرحلة ما بعد الحرب، مثل إدارة المشاريع، والتسويق الرقمي، وتطوير المنتجات، وإدارة الموارد البشرية، بجانب إنشاء “مراكز ابتكار” أو “مساحات عمل مشتركة” (Co-working Spaces) مخصصة للشباب السوداني، حيث يمكنهم تبادل الأفكار، والتعاون في المشاريع، والاستفادة من خبرات بعضهم البعض، ويجب مساعدة رواد الأعمال الشباب في الوصول إلى مصادر التمويل، سواء كانت قروضًا صغيرة، أو استثمارات ملائكية، أو منحًا حكومية. يمكن إقامة فعاليات “عرض المشاريع” (Pitching events) لربطهم بالمستثمرين المحتملين.
يعتبر التدريب التحويلي هو المحرك الأساسي لهذه العملية. فهو ليس مجرد دورات تعليمية، بل هو عملية تحويل شاملة لعقلية الفرد من مجرد “باحث عن عمل” إلى “صانع عمل”، ويركز على تحديد الفرص و تعليم الشباب كيفية تحديد المشاكل التي يمكن تحويلها إلى فرص تجارية، وبناء خطط العمل وتوجيههم في كيفية صياغة خطط عمل قوية وقابلة للتطبيق، وتطوير المهارات الشخصية بتعزيز مهارات التواصل، والقيادة، والعمل الجماعي.
يجب أن يكون التدريب التحويلي عمليًا وموجهًا نحو النتائج، بمعنى أن يكون الهدف هو إطلاق مشروع حقيقي في نهاية البرنامج. يمكن أن يتم ذلك من خلال التعاون مع شركات مصرية أو منظمات دولية لتوفير تدريب عملي وفرص للمشاركين.
في اليوم العالمي لرواد الأعمال، دعونا لا نكتف بالاحتفال، بل نعمل على تحويل الاحتفال إلى حركة. دعوة للعمل تبدأ في مصر، حيث يمكننا أن نبني جيلًا جديدًا من رواد الأعمال السودانيين. إنهم ليسوا مجرد لاجئين أو نازحين، بل هم مستقبل السودان، والقوة التي ستقوده نحو التعافي والازدهار.
إن الاستثمار في الشباب السوداني هو استثمار في مستقبل السودان. فبينما تتجه الأنظار نحو المساعدات الإنسانية والإغاثية، يجب ألا نغفل أن الحل المستدام يكمن في بناء القدرات الاقتصادية. رائد الأعمال الشاب الذي يطلق مشروعه اليوم في القاهرة، قد يكون هو المهندس الذي سيعيد بناء جسرًا في الخرطوم، أو الطبيب الذي سيطلق عيادة متنقلة في مدينة سودانية، أو المزارع الذي سيستخدم التكنولوجيا لزيادة الإنتاج الزراعي.
إن كل دولار يتم استثماره في تدريب رائد أعمال، هو خطوة نحو إعادة بناء وطن، وكل فكرة تتحول إلى مشروع، هي لبنة في جدار إعادة الإعمار.
فلنجعل من اليوم العالمي لرواد الأعمال هذا العام، نقطة تحول حقيقية، نبدأ فيها بصناعة قادة المستقبل من قلب المحنة، ليكونوا الأمل الذي يضيء طريق العودة إلى سودان مزدهر ومستقر.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





