ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون “أيقونات العمل الإنساني.. رموز مضيئة في ظلام الحرب”

١٥-٩-٢٠٢٥
الحرب التي اندلعت في السودان تمثل الامتحان الأصعب في مأساة الشعب السوداني، مقارنة بالمآسي الأخرى التي شهدها تاريخ السودان منذ الاستقلال. فقد بدّلت وجه الحياة، وغيّرت ملامح المجتمع على نحو لم يكن في الحسبان.
هذه الحرب أنتجت نزوحاً ولجوءاً، وعطّلت مؤسسات الدولة، فأغلقت أماكن العمل، وتوقف الناس عن ممارسة حياتهم الطبيعية. تحوّل الجميع إلى طبقة معيشية متشابهة، أشبه بما يُعرف بالنظام الاشتراكي، بعدما ابتلعت طوفان الشفشفة على الأخضر واليابس، وأرهقت البلاد والعباد.
أخذت الحرب الأمن والأمان، وفتحت أبواباً واسعة للمعاناة أمام من هربوا منها، بينما تركت خلفها من لم يملكوا سبيلاً للهرب يتقلبون بين زقاقات ضيقة يبحثون من خلالها عن لقمة تسد رمقهم و تبقيهم على قيد الحياة.
لكن، ورغم هذا السواد، برزت وجوه إنسانية أضاءت عتمة الحرب، شخصيات اختارها الله لتكون في خدمة العباد، وفازت بعطائه الإنساني في الأرض. لم ينشغل هؤلاء بأخبار المحاور وعدد القتلى، بل حملوا همّ الأرواح الباقية، والبطون الخاوية. ومن قلب أمدرمان، ظهر شاب إنساني ملقب بـ”رزقة ملك الابتسامة”. لم تمنعه قسوة الحرب ولا ضيق الحال من أن يمد يد العون. خرج إلى الناس عبر منصات التواصل مبتسماً، يطمئنهم قائلاً: (هلا يا شباب، الأخبار والأمور والصحة) فصار صوته وخدمته الإنسانية بارقة أمل وسط ركام الخوف واليأس.
تحوّل رزقة إلى وسيط خير؛ يجمع التبرعات من أصحاب القلوب الرحيمة، ويوجهها إلى الجائعين الذين لم يتمكنوا من النزوح أواللجوء. أصبح ابتسامة لكل بائس فقد أمل الحياة بسبب الجوع، ويداً حانية تخفف وطأة القهر. ولأنه فاز بعطاء الله الإنساني، فإن جزاءه من السماء عظيم.
وهناك، في المدينة المحاصرة وفي تكية الفاشر، يبرز رجل آخر من وسط المعاناة حيث يخيّم الموت المجاني. هذا الرجل هو (محي الدين شوقار) يقف بصلابة من اجل الخدمة الانسانية المنسية، محاولاً سد فجوة الجوع للمواطنين الذين ما زالوا على قيد الحياة. أصبح أيضاً وكيلاً لرُّسُل الإنسانية من المتبرعين الذين يساهمون بأموالهم من أجل استمرار التكية والتي تمثل نافذة الطعام الوحيدة في هذه المنطقة المحاصرة. يديرها مع رفاقه المتطوعين، الذين يعدّون الطعام يومياً بصبر وإيمان. هم صامدون في وجه الحصار، ويفقدون كل يوم شخصاً عزيزاً. فيما يرفع القائمون عليها شعاراً يلخص روح التضامن السوداني:
دي بلدنا وديل نحن
نفس العادات والطيبة
كل البفرحها بفرحنا
دائماً ضحكتنا قريبة
شاربين من نيلنا الصافي
وماكلين من خيرا قمحنا…
وسط دخان الحرب ورائحة الموت، يبقى العمل الإنساني هو الضوء الباقي الذي يقاوم الظلام.
فـ(رزقة) و(محي الدين شوقار) وآخرين ليسوا مجرد أسماء، بل إنهم رموز مضيئة وأيقونات إنسانية ستظل شاهدة على أن الخير أقوى من الحرب، وأن العطاء يورث الحياة حتى في قلب المأساة.
زيارة وصلة ارحام
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الامين. جاءت زيارة وفد أعيان قبيلة الشا…





