‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة التجنيد الإلزامي في السودان: ضرورة أمنية ووطنية في زمن التحولات 
مقالات - ديسمبر 8, 2025

شيء للوطن م.صلاح غريبة التجنيد الإلزامي في السودان: ضرورة أمنية ووطنية في زمن التحولات 

Ghariba2013@gmail.com

لقد أثبتت الظروف الراهنة والتجارب المريرة في السودان، وعلى رأسها حروب العبث، أن الأمن القومي لا يمكن أن يبقى رهينة للصدفة أو للجهود الفردية العاجلة. إنّ الاستطلاع العالمي الذي يشير إلى تأييد 52% من مواطني 30 دولة لفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشباب، يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لأهمية التأهب الوطني ودور الشباب في حماية الأوطان. وفي السياق السوداني، لا يعدّ هذا الحديث ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة ملحّة تفرضها متغيرات الواقع وتضحيات الشباب الأخيرة.

شهدت المدن السودانية استنفاراً شبابياً هائلاً وعفوياً لحماية الأعراض، والممتلكات، والذوات، والمدن. هذا الاندفاع، رغم بطولته ونبل مقاصده، كان في كثير من الأحيان غير منظم ويفتقر إلى التدريب المنهجي والتأطير القانوني والمؤسسي اللازم لضمان الاستدامة والفعالية والحماية القانونية للمشاركين.

هنا يبرز الدور المحوري للخدمة العسكرية الإلزامية. إنها ليست مجرد تدريب على حمل السلاح، بل هي مدرسة وطنية تعلم الانضباط، والمسؤولية، والعمل ضمن فريق، وتعزز الشعور بالهوية الوطنية المشتركة. تحويل هذا الزخم الشبابي من استنفار عشوائي إلى قوة منظمة ومدربة، جاهزة للدفاع عن الوطن عند الحاجة، يمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل السودان الآمن.

لا تقتصر فوائد التجنيد الإلزامي على الجانب الأمني البحت. بل هي تشكل فرصة لـ تنمية الموارد البشرية على أسس سليمة. يمكن أن تتضمن هذه الخدمة برامج تدريب مدنية ومهنية، إلى جانب التدريب العسكري، مما يساهم في تعزيز الانضباط بغرس قيم الالتزام والمثابرة لدى الشباب وصهر الشباب من مختلف المناطق والقبائل في بوتقة واحدة، مما يقوّي النسيج الاجتماعي الممزق، بجانب اكتساب المهارات بتوفير تدريب عملي في مجالات قد تفيدهم في حياتهم المدنية اللاحقة (الإسعافات الأولية، الميكانيكا، إدارة الكوارث).

لتحقيق أقصى استفادة من هذا المشروع الوطني، يجب أن نستلهم ونعظم التجارب السابقة الناجحة بإحياء تجربة “الكديت” في المدارس الثانوية، ليس كبرنامج عسكري صارم فحسب، بل كمنهج لغرس الانضباط، والتربية الوطنية، والمهارات القيادية المبكرة، بالاضافة الى تعظيم ثقافة العمل التطوعي والكشافة، فيجب دعم وتوسيع برامج الكشافة في جميع مراحلها ومجالاتها. الكشافة هي الحاضنة المثالية لتنمية ثقافة العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وهي الخطوة الأولى نحو فهم مفهوم التضحية من أجل الوطن. يجب أن تكون هذه الأنشطة جزءاً لا يتجزأ من المنهج التعليمي، لربط الشباب ببيئتهم ومجتمعهم.

خلاصة القول : إن فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشباب في السودان، مع الأخذ في الاعتبار التجارب العالمية ودروس الحرب القاسية، هو خطوة استراتيجية نحو تأمين المستقبل وبناء المواطن الصالح، القادر على حماية نفسه ووطنه. يجب أن يُنظر إليه كـ “بناء وطني” شامل وليس كـ “عبء أمني”، يهدف إلى خلق جيل من الشباب الواعي، المنضبط، والمؤهل للذود عن تراب السودان في أي ظرف.

‫شاهد أيضًا‬

الإضراب يهدد ما تبقى

في السادس عشر من نوفمبر من العام الماضي كتبت مقالا تناولت فيه الدعوة لإضراب أساتذة الجامعا…