شيء للوطن م.صلاح غريبة وأخيراً انتصر الطب الشعبي التقليدي: إعلان دلهي يرسم مساراً عالمياً جديداً

Ghariba2013@gmail.com
في التاسع عشر من ديسمبر 2025، ومن قلب “نيودلهي”، لم يُكتب مجرد بيان ختامي لقمة صحية، بل كُتبت شهادة ميلاد جديدة لنظام صحي عالمي أكثر شمولاً وعدلاً. بصدور “إعلان دلهي” في ختام القمة العالمية الثانية لمنظمة الصحة العالمية بشأن الطب التقليدي، يمكننا القول بكل ثقة: “أخيراً، انتصر الطب الشعبي”، ليس بوصفه بديلاً عشوائياً، بل كشريك استراتيجي وعلمي أصيل في منظومة الرعاية الصحية الحديثة.
لسنوات طويلة، عُوقب الطب التقليدي بالنظرة الدونية، واعتبره البعض “بقايا من الماضي” أو ممارسات تفتقر للدقة. لكن مشهد اجتماع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، مع القادة والعلماء وحملة المعارف الأصلية، لخص التحول الجذري. لم يعد الطب التقليدي “خياراً ثانوياً” للفقراء، بل صار -كما وصفه د. تيدروس- “علماً حياً وتراثاً مشتركاً” وعنصراً جوهرياً لتحقيق التغطية الصحية الشاملة.
لقد رفعت القمة شعار “استعادة التوازن”، وهو اعتراف صريح بأن النموذج الصحي الغربي الصرف، رغم عظمته، يحتاج إلى الحكمة التراكمية للشعوب لسد ثغرات الرفاهية النفسية والوقاية المستدامة.
إن انتصار الطب الشعبي في “إعلان دلهي” لم يكن عاطفياً، بل استند إلى “أربع ركائز ذهبية” تضمن الانتقال من الممارسة العفوية إلى العمل المؤسسي، وهي بناء الأدلة عبر استثمارات ضخمة في البحث العلمي الأخلاقي، والتنظيم الصارم لضمان الجودة والسلامة عبر أنظمة “يقظة دوائية” تمنع التجاوزات، والإدماج المؤسسي، مع دمج الممارسات المثبتة في الرعاية الصحية الأولية، والعدالة الرقمية بإطلاق “المكتبة العالمية للطب التقليدي” لحماية الملكية الفكرية للمجتمعات وضمان تقاسم المنافع بشكل عادل.
وعندما نتحدث عن هذا الانتصار العالمي، لا يمكننا إغفال النموذج السوداني، الذي يمثل قلب هذه المعركة العلمية في المنطقة العربية والأفريقية. السودان، الذي يمتلك مخزوناً هائلاً يتجاوز 2000 عشبة طبية، بدأ فعلياً في ترجمة “إعلان دلهي” قبل صدوره عبر خطوات تنظيمية جادة.
إن التحركات الأخيرة لوزير الصحة السوداني، د. هيثم محمد إبراهيم، واللجنة المختصة برئاسة البروفيسور أحمد عوض الجمل، تعكس وعياً عميقاً بضرورة “علمنة” الموروث. فاعتماد “الموصوفة” كمرجع للممارسة الآمنة، والعودة لتفعيل سياسات عام 2016، يضع السودان في طليعة الدول التي تحول “حكمة الجدات” إلى بروتوكولات علاجية مراقبة تضمن سلامة المواطن.
السودان اليوم لا ينظر للأعشاب كتجارة عطارة، بل كمورد اقتصادي وصحي ضخم، يحتاج فقط إلى “الرسالة المجتمعية” التي دعا إليها الوزير لتعزيز الوعي الصحي وقطع الطريق على الدجل، مع الحفاظ على أصالة الممارسة.
إن إعلان دلهي هو انتصار للعقلانية التي ترفض إقصاء أي معرفة قد تنقذ حياة إنسان. لكن المقياس الحقيقي للنجاح، كما اتفق المشاركون، لن يكون في “الصور التذكارية” في نيودلهي، بل في مدى قدرة الدول على تحويل هذه الالتزامات إلى واقع داخل المستشفيات والمراكز الريفية بين عامي 2025 و2027.
لقد فُتح الباب أمام عهد جديد، حيث تلتقي سماعة الطبيب الحديثة بجذور الأرض، وحيث يصبح “الطب الشعبي” فخراً علمياً محمياً بالقانون والبحث، وليس مجرد ذكرى في كتب التاريخ.
حمقى ولصوص لجنة التفكيك (٤—٧)٠٠ البلاغ الثالث : نهب المجرم وجدي صالح لشركات قطاع الدواجن..
ضمن مقالاتنا المتتالية توثيقًا لجرائم لجنة التفكيك الفاسدة كنا قد بدأنا بمقالين سابقين عن …





