‫الرئيسية‬ مقالات ما بين الصمود والانسحاب…القرار العسكري بين الحكمة والتوقيت د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
مقالات - ديسمبر 31, 2025

ما بين الصمود والانسحاب…القرار العسكري بين الحكمة والتوقيت د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

0mkhaledsaeed@gmail.com

ما بين الصمود والانسحاب، يقف القائد العسكري أمام واحد من أكثر القرارات حساسية وتعقيدًا في ميدان المعركة؛ قرار لا يُتخذ بدافع العاطفة أو تحت ضغط الرأي العام، بل يُبنى على قراءة استراتيجية–تكتيكية دقيقة لمعطيات الواقع الميداني. وتشمل هذه القراءة حجم القوة المتاحة، ومستوى الجاهزية القتالية، وقدرات الإمداد والتموين، فضلًا عن تقييم شامل لقدرات العدو من حيث العدد، والدعم، ومرونة الحركة، وخطوط الإمداد والتعويض.

في ضوء هذه المعطيات المركبة، يحدد القائد العسكري الخيار الأنسب: الصمود حين تتوفر شروطه ومقوماته، أو الانسحاب المنظم عندما يصبح الاستمرار استنزافًا غير مبرر للقوة البشرية والمادية. فليس كل صمود نصرًا، كما أن ليس كل انسحاب هزيمة. والإصرار على البقاء في موقع يفتقر إلى قيمة استراتيجية حقيقية، مقابل خسائر فادحة، يُعد في الفكر العسكري «صمودًا خاسرًا»، وهو من أخطر الأخطاء، لأنه يحقق للعدو ما يعجز عنه بالمناورة: إنهاك الخصم واستنزافه ذاتيًا.

ومن المنظور العسكري الاحترافي، يُعد الانسحاب خيارًا استراتيجيًا مشروعًا، تعقبه عادة إعادة تنظيم الصفوف، وإعادة الانتشار، وتقييم الموقف العملياتي، تمهيدًا للعودة إلى الهجوم في توقيت ومكان أكثر ملاءمة. وقد شهد التاريخ العسكري، قديمه وحديثه، نماذج عديدة لحروب قامت على مبدأ الكرّ والفرّ، وأثبتت أن الحركة والمناورة عنصران أساسيان في أي عقيدة عسكرية ناجحة، وليستا دليل ضعف أو تراجع.

وفي هذا السياق، من الضروري إدراك أن مثل هذه القرارات تظل حكرًا على القيادة العسكرية، لما تنطوي عليه من تفاصيل استخبارية وحسابات دقيقة لا يمكن الإفصاح عنها، وتتجاوز لحظة الاشتباك الراهنة إلى تقدير مسار الحرب بأكمله. وقد أثبت تاريخ القوات المسلحة السودانية خبرة متراكمة في إدارة مثل هذه المواقف الحساسة.

ورغم تباين وجهات النظر، تبقى الحقيقة الثابتة أن القيادة العسكرية تضع الحفاظ على الإنسان والسلاح والزمن في مقدمة أولوياتها. فالجندي المدرب لا يُعوَّض بسهولة، والعتاد النوعي لا يُستبدل سريعًا، والزمن عامل حاسم في الحروب. ومن هنا، فإن ترك هذه القرارات للمؤسسة العسكرية واجب وطني، لأن الضغوط غير المسؤولة لا تخدم إلا العدو وتُضعف الجبهة الداخلية.

والنصر لقواتنا المسلحة.

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…