‫الرئيسية‬ مقالات لماذا لايستلهم السودان مشروع النهضة الماليزية مالك بن نبي – مهاتير
مقالات - فبراير 10, 2026

لماذا لايستلهم السودان مشروع النهضة الماليزية مالك بن نبي – مهاتير

السفير.رشاد فراج الطيب

في سؤال النهضة، لا يكفي أن نمتلك الموارد ، ولا أن نُكثر من الشعارات ، بل أن نُحسن قراءة علل التخلف وشروط الخروج منه .

 

وبين مالك بن نبي المفكر الحضاري ، ومهاتير محمد رجل الدولة ، تتجلى صورة متكاملة للنهضة ، فكرٌ يُشخِّص ، وسلطةٌ تُنفِّذ .

 

وعلى ضوء هذا التقاطع ، يبرز السؤال المؤلم ، لماذا عجز السودان عن إنتاج “مهاتير” خاص به ، رغم وفرة الموارد الطبيعية وغير الطبيعية ؟

 

لقد انطلق مالك بن نبي من تشخيص جذري للأزمة الحضارية في العالم الإسلامي ، حين رفض اختزال التخلف في الفقر أو الاستعمار ، واعتبره بالأساس عطبًا في الإنسان قبل أن يكون نقصًا في الإمكانات . فالحضارة ، في نظره ، ليست نتاج الثروة وحدها ، بل ثمرة تفاعل حيّ بين الإنسان والتراب والوقت ، ضمن منظومة قيم فعّالة .

 

وحين تختل هذه المنظومة ، تتحول الموارد إلى عبء ، ويغدو الزمن مهدرًا ، ويصبح الإنسان معطَّل الإرادة .

 

أما مهاتير محمد ، فقد واجه واقعًا لا يقل تعقيدًا في ماليزيا من الواقع السوداني بل يتشابه معه : مجتمع متعدد الأعراق والاجناس ، واللغات والاديان ، إرث استعماري ثقيل ، فجوة معرفية ، وتبعية اقتصادية . لكنه ، بخلاف كثيرين ، لم يكتفِ بلعن الاستعمار أو استدعاء الماضي ، بل نقل سؤال النهضة من مجال التنظير إلى ساحة القرار السياسي واستلهم شروط النهضة كما حددها مالك بن نبي .

 

آمن بأن الدولة لا تُبنى بالخطابة ، بل بالانضباط ، وبأن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا بامتلاك أدوات العصر دون التفريط في الهوية.

 

يلتقي الرجلان عند نقطة مركزية ، بناء الإنسان هو المدخل الإجباري للنهضة .

 

مالك بن نبي دعا إلى تحرير العقل من القابلية للاستعمار ، وإحياء قيمة العمل ، واحترام الوقت ، وربط الدين بالفعل الحضاري لا بالطقوس الجامدة .

 

ومهاتير محمد ترجم هذه الرؤية إلى سياسات ، تعليم نوعي ، أخلاقيات عمل صارمة ، دولة قانون ، وتوظيف ذكي للتكنولوجيا الغربية دون الوقوع في التبعية الثقافية .

 

لم يعادِ الغرب ، لكنه رفض وصايته . ولم يتخلَّ عن الإسلام ، لكنه حرّره من الاستخدام التبريري للفشل واستلهمه كقوة دافعة للنهوض .

 

من هنا ، يمكن القول إن مهاتير كان تجسيدًا عمليًا لمالك بن نبي .

 

فالأول كتب شروط النهضة ، والثاني اختبرها على أرض الواقع .

 

وعند إسقاط هذا النموذج على السودان ، تتضح المفارقة المؤلمة .

 

فالسودان بلد يفيض بالموارد الطبيعية ، أرض زراعية شاسعة ، مياه ، ثروات معدنية ، موقع استراتيجي ، وتنوع بشري وثقافي فريد .

 

أما الموارد “ غير الطبيعية ” من رأس مال اجتماعي ، وتدين فطري ، وروح تضامن فهي حاضرة كذلك .

 

ومع ذلك ، ظل مشروع النهضة معطَّلًا .

 

السبب الجوهري لا يكمن في نقص الموارد ، بل في غياب المشروع النهضوي .

 

فالسودان لم يفشل لأنه فقير ، بل لأنه لم يُحسن إدارة ثرواته حتي أصبحت مطمعا للأعداء .

 

ولم يتعثر بسبب المؤامرات وحدها ، بل بسبب أزماته الداخلية ، وتفكك في الرؤية ، وصراع نخب حول السلطة لا حول بناء الدولة .

 

وهنا تتجلى مقولة مالك بن نبي بأقسى صورها : حين يغيب الإنسان الفاعل ، تتحول الثروة إلى لعنة.

 

كما أن الدولة السودانية ، في تجاربها المتعاقبة ، لم تُنتج مشروعا كمشروع مهاتير لأن البيئة السياسية نفسها كانت طاردة لأي مشروع إصلاحي طويل النفس .

 

التقلبات السياسية ، الحروب الداخلية ، غياب المؤسسية وسيادة القانون ، وتقديم الولاء على الكفاءة ، وسوء الإدارة كلها عوامل قتلت فكرة “ نهضة الدولة ” قبل أن تولد .

 

فمهاتير لم يكن معجزة فردية ، بل نتاج منظومة سمحت له أن يخطئ ويصيب ، أن يخطط ويُحاسَب ، وأن يحكم برؤية لا بردود أفعال .

 

وفوق ذلك ، ظل الخطاب العام في السودان أسير ثنائية قاتلة ، إمّا جلد الذات بلا أفق ، أو تبرئة كاملة تُحمِّل الخارج كل الأوزار .

 

وفي الحالتين ، غاب السؤال العملي الذي طرحه مهاتير ، وسبق إليه مالك بن نبي وهو ماذا نفعل نحن هنا والآن ، بالإنسان المتاح والموارد المتاحة والزمن المتبقي ؟

 

إن عجز السودان عن إنتاج مشروع كمشروع “مهاتير” ليس قدرًا ، بل نتيجة تراكمية لاختلال الفكر والممارسة معًا .

 

فالنهضة لا تستورد جاهزة ، ولا تُفرض بالشعارات ، بل تُصنع حين تلتقي الفكرة الصحيحة بالإرادة السياسية الناجزة ، وحين يتحول الوعي الحضاري إلى برنامج عمل .

 

وخلاصة القول ،

مالك بن نبي علّمنا أن النهضة تبدأ من الداخل ، ومهاتير محمد أثبت أن هذا الداخل يمكن تحويله إلى دولة ناجحة .

 

وبين التنظير والتنفيذ ، وبين الفكرة والسلطة ، يقف السودان اليوم أمام امتحانه التاريخي ، إما أن يعيد الاعتبار للإنسان والمشروع ، أو يظل بلد الإمكانات المهدورة والفرص الضائعة .

‫شاهد أيضًا‬

قائد ثاني الفرقة العاشرة يتسلّم توصيات ملتقى الاستنفار الثالث  ويؤكد المضي حتى تحرير كامل التراب الوطني

في اطار أطلق القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان نداء …