فبراير: ميقات رحيل العمالقة
شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com
في رزنامة الإبداع السوداني، يبرز شهر فبراير ليس مجرد حيز زمني، بل كميقات للحزن النبيل وموسم لاستعادة الذاكرة المثقلة برحيل الكبار. هو الشهر الذي اختار فيه “عمالقة” الفكر والفن والسياسة أن يترجلوا عن صهوة الحياة، تاركين وراءهم فراغاً لا يملؤه إلا أثرهم الذي لا يزال ينبض في وجدان الشعب.
في مثل هذا اليوم من عام 2009، غادرنا الطيب صالح، “عبقري الرواية العربية”. لم يكن الطيب مجرد كاتب، بل كان جسراً ثقافياً ربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب. من “موسم الهجرة إلى الشمال” إلى “عرس الزين”، استطاع الطيب أن يجعل من القرية السودانية الصغيرة مركزاً للكون، مسلطاً الضوء على صراع الهوية و تعقيدات النفس البشرية بلغة شاعريّة لم تكرر. رحيله كان غياباً لصوت الحكمة والموضوعية السودانية.
وبعد ثلاث سنوات من رحيل الطيب، وفي ذات اليوم (18 فبراير 2012)، صمت الحنجرة التي كانت تُزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة وتُزهر الوديان بالحب. محمد وردي، “فنان إفريقيا الأول”، لم يكن مجرد مطرب، بل كان ضمير الأمة. بصوته القوي وألحانه المبتكرة، صاغ وجدان السودانيين في الثورات وفي لحظات الشجن الخاص. وردي لم يمت، طالما أن “أكتوبر الأخضر” يُغنى، وطالما أن “يا بلدي يا حبوب” تتردد في حناجر الصغار قبل الكبار.
وفي مصادفة تاريخية عجيبة، يشاركهم هذا التاريخ (18 فبراير 1962) القائد المصري صلاح سالم، أحد الضباط الأحرار الذي عُرف بلقب “عاشق السودان”. تذكره الذاكرة السودانية بصورته الشهيرة وهو يرقص مع قبائل الجنوب تعبيراً عن اللحمة والمودة. كان يؤمن بأن مصير وادي النيل واحد، وبذل جهداً دبلوماسياً وإنسانياً لتقوية الروابط بين الشعبين، ليرحل في ريعان شبابه تاركاً بصمة من الود الصادق.
إن الاحتفاء بذكرى هؤلاء العمالقة ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو محاولة لاستلهام “القيم” التي عاشوا من أجلها ومنها: التميز والإتقان: كيف وصل هؤلاء للعالمية بمحليتهم الصادقة، والوطنية العابرة للحدود سواء بالفن، أو الكلمة، أو المواقف السياسية، والوحدة الوجدانية التي جمعت بين الأديب، والفنان، والسياسي في قلب المواطن السوداني.
“إن الأمم التي تنسى عمالقتها، تضيع بوصلتها في الزحام.”
لقد رحلوا جسداً، لكنهم تركوا لنا “خارطة طريق” للإبداع والجمال. إنهم يذكروننا دائماً بأن السودان، رغم المحن، ولودٌ بالعباقرة، وأن العظمة لا تأتي إلا بالإخلاص للقضايا الكبرى.
د.طه حسين ينفي أي صلة بأغنية ‘نفع بلدو’
الخرطوم – متابعات أصدر الدكتور طه حسين يوسف، المدير العام لشركة زادنا العالمية للاستثمار، …





