مستقبل السودان بعد الحرب: قراءة استراتيجية في التحديات والتحولات وضرورة الوحدة الوطنية
حديث الساعة الهام سالم منصور

حين تنتهي الحروب لا تعود الدول إلى ما كانت عليه، بل تدخل مرحلة إعادة تشكل عميقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. والسودان، بحكم تعقيداته الداخلية وموقعه الجيوسياسي، سيجد نفسه أمام منعطف تاريخي يحدد ملامح مستقبله لعقود قادمة. فمرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد إعادة إعمار مادي، بل إعادة بناء الدولة نفسها، وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الداخل والخارج.
أولاً: إعادة تشكيل المشهد السياسي
الحرب عادة ما تعيد توزيع مراكز القوة داخل الدولة، وتخلق واقعاً سياسياً جديداً قد لا يشبه ما قبلها. لذلك فإن السودان سيواجه تحدي بناء نظام سياسي قادر على استيعاب التنوع وإدارة الخلافات بوسائل سلمية. المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة الوطنية، حيث يصبح الحوار السياسي أداة أساسية لتجنب العودة إلى دائرة العنف.
إن بناء مؤسسات قوية ومستقلة سيكون العامل الحاسم في استقرار البلاد، لأن الدول التي تخرج من الحرب دون إصلاح مؤسساتها تبقى عرضة للانتكاسات. ويحتاج السودان إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يعزز مفهوم المواطنة ويعيد الثقة بين الدولة والمواطن.
ثانياً: الاقتصاد بين فرص النهوض ومخاطر الارتهان
الاقتصاد سيكون التحدي الأكبر بعد الحرب، فإعادة الإعمار تحتاج إلى موارد ضخمة، وهو ما سيدفع البلاد إلى الانفتاح على المؤسسات الدولية والشركاء الإقليميين. ولا يمكن لأي دولة اليوم أن تعيش خارج المنظومة الاقتصادية العالمية، لكن النجاح يكمن في القدرة على التفاوض من موقع قوة، ووضع أولويات وطنية واضحة تمنع تحويل الاقتصاد إلى ساحة نفوذ خارجي.
السودان يمتلك إمكانيات هائلة في الزراعة والتعدين والطاقة، لكن استغلال هذه الموارد يحتاج إلى بيئة مستقرة وسياسات شفافة تحارب الفساد وتدعم الإنتاج المحلي. كما أن تحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم سيكون ضرورياً لمنع عودة أسباب النزاعات.
ثالثاً: المصالحة الوطنية وترميم النسيج الاجتماعي
الحرب تترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، وقد تؤدي إلى انقسامات حادة داخل المجتمع إذا لم تتم معالجتها بحكمة. لذلك فإن المصالحة الوطنية يجب أن تكون مشروعاً شاملاً يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتحقيق العدالة الانتقالية التي توازن بين المحاسبة والتسامح.
وفي هذا السياق، تلعب القيادات المجتمعية والإدارة الأهلية دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر وإعادة اللحمة الاجتماعية، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على الروابط التقليدية في حل النزاعات.
رابعاً: السودان في ظل التنافس الدولي والإقليمي
بعد الحرب، غالباً ما تصبح الدول ساحة للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية، خاصة إذا كانت تمتلك موارد وموقعاً استراتيجياً كما هو الحال في السودان. وسيكون على القيادة السودانية إدارة علاقاتها الخارجية بحكمة، عبر سياسة متوازنة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.
التحولات العالمية الحالية تشير إلى أن الاقتصاد أصبح أداة نفوذ رئيسية، ولذلك فإن جذب الاستثمار يجب أن يتم وفق رؤية وطنية تضمن نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، لا مجرد استغلال الموارد.
خامساً: الوحدة الوطنية كمفتاح المستقبل
إن أهم درس يمكن استخلاصه من التجارب الدولية هو أن إعادة البناء لا تنجح بدون وحدة داخلية حقيقية. فالوحدة الوطنية ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي الأساس الذي يمنح الدولة قوة تفاوضية ويخلق بيئة مستقرة للتنمية.
مقتضيات المرحلة القادمة تفرض تجاوز الانقسامات الضيقة، وبناء هوية وطنية جامعة تقوم على احترام التنوع والاعتراف بالاختلاف دون تحويله إلى صراع. فالسودان بحاجة إلى مشروع وطني كبير يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في بناء المستقبل.
ختاماً، يمكن القول إن مستقبل السودان بعد الحرب سيحدد وفق ثلاثة عوامل أساسية: قدرة السودانيين على توحيد صفهم الداخلي، نجاحهم في بناء مؤسسات قوية، وحسن إدارتهم لعلاقاتهم الدولية. وإذا توفرت هذه العناصر، فإن البلاد قادرة على تحويل مرحلة الألم إلى بداية جديدة نحو الاستقرار والتنمية.
الاربعاء١٨ فبراير٢٠٢٦
هئية علماء السودان:رمضان موسماً لتجديد العهد مع الله
تقدمت هئية علماء السودان إلى الأمة المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها بأصدق التهاني وأطيب الأ…





