‫الرئيسية‬ مقالات نحو مواطنةٍ تشارك في تأهيل العودة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

نحو مواطنةٍ تشارك في تأهيل العودة

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست كل العواصم التي تُدمَّر بالحرب تنهض… بعضها يُعاد بناؤه، لكن لا يُعاد تأسيسه بالإرادة.

 

في اللحظة التي بدأ فيها الحديث يتصاعد عن تهيئة بيئة العودة إلى العاصمة الخرطوم، انكشف لنا — مرة أخرى — أن مشكلتنا ليست في الموارد، ولا حتى في حجم الدمار… بل في طريقة التفكير التي ندير بها عملية التعافي ذاتها.

فنحن — في السودان — نُجيد التفكير بالأهداف الكبرى:

إعادة الإعمار، استعادة الخدمات، عودة المواطنين…

لكننا نفشل غالبًا في التفكير بما يُعرف إداريًا واستراتيجيًا بـ “التفكير المدفوع بالخطوات”.

أي:

الانتقال من سؤال “ماذا نريد؟”

إلى سؤال: “ما الخطوة التالية الممكنة الآن؟”

 

من إعادة الإعمار… إلى إعادة المشاركة

إن تهيئة بيئة العودة للعاصمة ليست مشروعًا هندسيًا فحسب، بل هي — قبل ذلك — مشروع اجتماعي إدراكي.

فالمدينة التي غادرها مواطنوها تحت ضغط الحرب، لن يعودوا إليها فقط لأن الكهرباء عادت، أو لأن المياه جرت في (المواسير)…

بل سيعودون حين يشعرون أن:

صوتهم مسموع

مخاوفهم معتبرة

تطلعاتهم جزء من خطة العودة

وهنا تتجلى واحدة من أخطر التحديات التي تناولناها سابقًا في عمود #أصل_القضية:

فجوة التعبير بين الإدارة والإرادة.

حيث تتحول الدولة إلى جهاز يُخطط،

ويتحول المواطن إلى موضوعٍ للتخطيط…

بدل أن يكون شريكًا فيه.

فجوة التعبير: حين تتكلم الدولة… ولا يسمع المواطن نفسه

في سياقات ما بعد النزاع، لا تكون الفجوة بين الحاكم والمحكوم فجوة خدمات، بل فجوة تواصل إدراكي.

الدولة تُعلن عن خطط العودة…

لكن المواطن لا يعرف:

●متى يبدأ حيّه؟

●ما أولويات التأهيل؟

●كيف يُسهم؟

●أين يُبلّغ عن المخاطر؟

●من يُنسّق الجهد الأهلي؟

وبذلك تتحول العودة من مشروعٍ وطني جامع…

إلى مغامرة فردية محفوفة بالقلق.

إن التفكير المدفوع بالخطوات، في هذا السياق، يعني أن:

●كل خطة عودة يجب أن تبدأ بخطوة تعبير.

●خطوة تُعيد للمواطن موقعه داخل معادلة القرار،لا على هامشها.

 

مراكز الفكر: من قراءة المزاج العام… إلى توجيه القرار

هنا تحديدًا يتقدّم دور مراكز الفكر الوطنية بوصفها جسرًا بين الدولة والمجتمع.

فـ مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام لم يتعامل مع الرأي العام بوصفه مادةً إعلامية، بل باعتباره موردًا استراتيجيًا لإدارة التعافي.

إذ أجرى المركز — خلال فترة الحرب وما بعدها —

أكثر من (٢٢٥) دراسة استطلاع للرأي العام

تم تحليلها وفق منهجيات كمية ونوعية، بهدف:

●تقليل فجوة المعلومات بين متخذ القرار والمجتمع

●تحديد أولويات المواطنين في بيئة العودة

●رصد المخاطر الاجتماعية والإدراكية

●دعم صانع القرار بمدخلات واقعية لا افتراضية

وهي أدوار تمثل — في جوهرها —

مناطق العمل الحقيقية لمراكز الفكر في مرحلة ما بعد الحرب.

فالدولة التي تُخطط للعودة دون قراءة المزاج العام،

تُعيد بناء المكان… وتُهمل الإنسان.

 

من سلحفائية البيروقراطية… إلى رشاقة الرؤية

المؤسسات البيروقراطية بطبيعتها:

تُفكر في الإجراءات

تُبطئ في التنفيذ

تُفضّل السلامة على السرعة

لكن ما بعد الحرب لا يحتمل هذا النمط من التفكير.

فبيئة العودة تحتاج إلى:

●تخطيط مرحلي

●قرارات سريعة

●قنوات تواصل مباشرة

●مشاركة مجتمعية فورية

أي تحتاج إلى الانتقال من:

منطق الملف

إلى

منطق الخطوة

ومن:

ثقافة الإذن

إلى

ثقافة المبادرة

 

المواطن: من متلقٍ للخدمة… إلى شريك في التأهيل

وفق رؤية الجسر والمورد، فإن إعادة تأهيل العاصمة لا ينبغي أن تُدار فقط عبر:

○الوزارات

○المحليات

○اللجان الفنية

بل عبر:

●لجان الأحياء

●المبادرات المجتمعية

●العائدين أنفسهم

ومن خلال أدوات أثبتت — كما في دراستنا الاستقصائية حول الفرص البديلة للعمل وتحسين الدخل للنازحين بولاية الخرطوم — قدرتها على:

تقليل فجوة التعبير

رفع كفاءة الاستجابة

بناء الثقة في القيادة المحلية

 

نحو عودةٍ جاذبة… لا مجرد عودةٍ ممكنة

الفرق بين عودةٍ ممكنة… وعودةٍ جاذبة،

هو أن الأولى تُعيد الناس إلى ما كان،

أما الثانية… فتجعلهم جزءًا مما سيكون.

وهذا لن يتحقق إلا إذا:

فكّرنا بالخطوة لا بالخطة فقط

خاطبنا المواطن لا عنه

قرأنا الرأي العام قبل إعلان القرار

وانتقلنا من إدارة التعافي… إلى تحفيزه

فالخرطوم لن يعاد بناؤها بالمباني وتهمل فيها المعاني ،

> الخرطوم بحاجة إلى مواطنٍ يشعر أنه لم يعد إلى المدينة…بل عاد إليها معها.

 

في #أصل_القضية نؤمن أن:

العودة ليست قرارًا إداريًا… بل عملية تفاوضٍ إدراكي بين الدولة ومواطنيها.

وأن التفكير المدفوع بالخطوات…

هو الجسر الحقيقي بين التخطيط… والانتماء.

‫شاهد أيضًا‬

حميدتي: المهرج الذي أصبح مضحكة العالم

في عالم يبحث عن الضحك في العاصمة اليوغندية كمبالا يأتي حميدتي ليقدم عرضًا كوميديا غير مقصو…