‫الرئيسية‬ مقالات بين خطاب المرحلة… واستحقاقات ما بعد الحرب
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

بين خطاب المرحلة… واستحقاقات ما بعد الحرب

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

استمعتُ إلى خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حول ملامح المرحلة القادمة في السودان، فبدت كلماته أقرب إلى رسم خارطة طريقٍ لوطنٍ أنهكته الحرب، وأثقلته الجراح، وتطلّع أهله إلى نهايةٍ تعيد لهم الأمن، وتصون لهم الكرامة، وتفتح أمامهم أفق الدولة التي حلموا بها طويلًا.

لقد كان واضحًا في الخطاب أن السلام ليس مجرد إعلانٍ يُتلى، ولا اتفاقٍ يُوقَّع، بل واقعٌ لا يتحقق إلا بإزالة أسبابه. فوقف إطلاق النار – كما أُشير – لا يمكن أن يكون ذا معنى ما لم يسبقه خروج المتمردين من الأعيان المدنية والمدن السودانية، لا سيما في غرب السودان، حيث تحولت الأحياء إلى ساحات مواجهة، وتحوّل المدنيون إلى دروعٍ بشرية، وتبدّلت ملامح المدن التي كانت يومًا رمزًا للحياة. فالسلام الحقيقي لا يقوم على بقاء السلاح في وجه المواطن، ولا على استمرار التهديد في قلب المدن، بل على استعادة الدولة لهيبتها، وعودة الناس إلى بيوتهم آمنين مطمئنين.

وفي حديثه عن إدارة الحكم في المرحلة القادمة، برز تأكيدٌ على أن من وقف مع الجيش والشعب في ما سُمِّي بحرب الكرامة، سيكون لهم دورٌ في بناء المرحلة المقبلة. وهذه ليست دعوةً للإقصاء بقدر ما هي تأكيدٌ على أن بناء الدولة يجب أن يستند إلى من صانوا وجودها، وحافظوا على كيانها، ولم يقفوا على الضفة الأخرى حين كانت البلاد تواجه خطر التمزق والانهيار. فالأوطان، حين تمر بمثل هذه المنعطفات، تحتاج إلى من يحملون همّها، لا إلى من ساوموا على وجودها، أو راهنوا على سقوطها.

كما أشار الخطاب إلى ملامح تكوين برلمانٍ يقود السودان في المرحلة القادمة، في إطار فترةٍ انتقاليةٍ تستدعي قدرًا عاليًا من الحكمة والاتزان. وهنا تبرز الحاجة إلى أن يكون هذا البرلمان ممثلًا حقيقيًا لضمير الأمة، لا مجرد انعكاسٍ لصخب الشعارات أو حضور المنصات. إن المرحلة القادمة ليست مرحلة ناشطين بقدر ما هي مرحلة حكماء، ممن عرفوا قيمة الدولة، وأدركوا خطورة المرحلة، واستوعبوا أن بناء الأوطان يحتاج إلى بصيرةٍ بقدر ما يحتاج إلى حماسة.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى أصواتٍ أعلى، بل إلى عقولٍ أعمق. لا يحتاج إلى من يتقنون الهتاف، بل إلى من يحسنون البناء. فالحكمة ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة حين يكون الوطن على المحك.

وفي المقابل، فإن العدالة الوطنية تقتضي أن يُعاد النظر في موقع كل من أسهم في إطالة أمد هذه الحرب، تأييدًا أو تبريرًا أو اصطفافًا مع الميليشيات التي حملت السلاح في وجه الدولة والمجتمع. فبناء المستقبل لا يمكن أن يتم على قاعدة إنكار الماضي، ولا يمكن أن يُعهد بمصير الوطن إلى من لم يصونوا حرمته حين كانت حرمته تُنتهك. إن المسؤولية الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُثبت حين تكون المواقف امتحانًا.

إن المرحلة القادمة ليست مجرد انتقالٍ سياسي، بل هي انتقالٌ في الوعي، وانتقالٌ من زمن الفوضى إلى زمن الدولة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشرعية، ومن واقع الانقسام إلى أفق الوحدة. وهي لحظةٌ تاريخيةٌ تستدعي أن يكون معيار المشاركة فيها هو الوفاء للوطن، والصدق مع الشعب، والاستعداد لتحمل مسؤولية إعادة البناء.

وسيبقى السودان، رغم كل ما مر به، قادرًا على النهوض، لأن فيه رجالًا ونساءً لم يفقدوا إيمانهم به، ولم يتخلوا عن حلمهم في أن يكون وطنًا آمنًا، عادلًا، ومستقرًا. وما بين الألم والأمل، تتشكل ملامح الغد، ويُكتب فصلٌ جديدٌ في تاريخ أمةٍ لم تنكسر، بل تأخرت لتنهض من جديد.

‫شاهد أيضًا‬

حميدتي: المهرج الذي أصبح مضحكة العالم

في عالم يبحث عن الضحك في العاصمة اليوغندية كمبالا يأتي حميدتي ليقدم عرضًا كوميديا غير مقصو…