‫الرئيسية‬ مقالات أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار… ​الحلقة الثانية عشرة: مائدة الوداع..!! 
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار… ​الحلقة الثانية عشرة: مائدة الوداع..!! 

​رمضان محجوب

■ مع بزوغ فجر عيد الأضحى، كانت ضاحية “الصفوة” ترتدي ثوباً من الرماد والذهول؛ فالشوارع التي كان يُفترض أن تضج بالتهليل، غلفها صمتٌ جنائزي ثقيل، يقطعه نحيبٌ مكتوم ينبعث من البيوت المكلومة. كانت جدران المنازل التي طالتها شظايا “ليلة الرعب” تقف كشواهد حية على قسوة القصف، بينما تجمعت بقع الدماء الجافة أمام نادي المشاهدة وصالون الحلاقة، لتروي قصة البراءة التي ذُبحت ليلا.

​■ رائحة البارود كانت لا تزال تعبق في الهواء، تمتزج برائحة الموت والدمار، مما جعل هواء الحي ثقيلاً لا يكاد يُستنشق، وكأن الصفوة بأسرها قد هرمت في ليلة واحدة. فقدت الصفوة بريقها خلف غبار الركام وحطام الممتلكات المبعثرة في الأزقة الضيقة، حيث كانت القلوب تعتصر ألماً على فراق الأحبة وضياع طعم العيد في بلدٍ غدا نهباً للحرائق والأحزان الممتدة.

​■ في تلك الصبيحة، كان قلبي موزعاً بين رعب الليلة ووحشة الدار؛ فقد كان أبنائي في “مدني” مع والدتهم، بعيدين عن عيني وقريبين من نبضي، ولم يبقَ معي في مواجهة هذا الجحيم إلا ابني “عبد الخالق”. كان وجوده بجانبي يمنحني القوة والقلق في آنٍ واحد، فأنا المسؤول عن حمايته في غابة لا قانون فيها، بينما كانت أطياف بقية الصغار تلاحقني في زوايا البيت الخالي إلا من صدى القذائف.

​■ أقيمت صلاة العيد في جوٍّ مشحون بالتوتر والأسى، الوجوه “مالحة” تكسوها غبرة الحزن وعلامات الانكسار، والعيون غائرة تعكس أرق ليلة قُتل فيها الأمان. لم تكن هناك تلك المصافحات الدافئة المعتادة، بل وجوه واجمة تلتقي بصمت، تحاول استيعاب فداحة ما جرى، فكانت الصلاة مناجاة صامتة لرب الأرض والسماء.

​■ وفجأة، قطع هذا المشهد المأساوي قدوم عناصر الميليشيا وهم يحملون جثث قتلاهم الذين سقطوا في القصف، ووضعوهم في مقدمة المصلين، مطالبين الناس بالصلاة عليهم قسراً. كانت لحظة اختبار حقيقية للمواقف والضمائر، حيث اختلطت مشاعر الرهبة برفض الانصياع لمن استباحوا حرمة الدماء والديار، وبدا المشهد كأن الموت يفرض نفسه على طقوس الحياة، ليحول العيد إلى مسرحٍ للتحدي والكبرياء.

​■ في تلك اللحظة الحاسمة، اتخذنا موقفاً نابعاً من إيماننا بكرامتنا؛ حيث امتنعنا —أنا وعلي شريف ومحمد عبدالله ومحمود جيلي— عن الصلاة على أولئك الذين أذاقوا الناس الأمرين، ووقفنا “رباعيتنا” شهوداً على الحق في وجه الباطل. لم تكن مجرد ممانعة، بل كانت صرخة صامتة ترفض مباركة من أحرقوا مدينتنا وروعوا أطفالنا، فكان وقوفنا جداراً من الأنفة الوطنية التي لا تلين.

​■ بعد انقضاء الصلاة، انطلقنا في جولة ميدانية لنقف على حجم الفاجعة؛ بدأناها بـ “آخر محطة” ثم “نادي المشاهدة”. كان الدمار في “سوق سبعة” يفوق الوصف، حيث تحولت الأماكن إلى أكوام من الحطام المتداخل، وشاهدنا آثار النيران التي أكلت الأخضر واليابس، واطلعنا على أشلاء المكان التي ضمت بين ثناياها بقايا طفولة “أولاد الحمري” الموؤودة.

​■ لم نكن نتحرك وحدنا، فكانت “العيون” تلاحقنا وترصد خطواتنا من كل صوب؛ حيث انتشر “البصاصون” والمتعاونون يراقبون رباعيتنا بدقة، ويسجلون ملامحنا الغاضبة وتحركاتنا الاستكشافية. كانت نظراتهم مليئة بالغل والتربص، وكأنهم يمهدون الطريق لما هو آتٍ من غدر، بينما كنا نحن مشغولين بتوثيق مأساة أهلنا في “الصفوة” المكلومة التي غاب عنها الفرح والسكينة.

​■ لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت استخبارات الميليشيا موجة اعتقالات جنونية، مدفوعة برغبة محمومة في الانتقام لهزيمتهم النكراء تحت ضربات الطيران، وكان واضحاً أن جولتنا العفوية قد وضعتنا في فوهة المدفع.

▪️بدأت سياراتهم تجوب الحي بصلف، تبحث عن كل من أبدى ممانعة، وصار اسمي يتردد في كشوفاتهم كواحد من “المحرضين” الخطرين في نظرهم.

​■ وسط هذا التوتر المكتوم، قررنا أن نجتمع لنكسر حدة الخوف بلمسة إنسانية تعيد لنا بعض توازننا، فتجمعنا نحن الأربعة أمام دكاني “بقالة ود محجوب”. كان المكان يمثل لنا الملاذ والملتقى، وهناك، على الرصيف الذي شهد حكاياتنا اليومية، قررنا أن نتناول إفطار العيد في مشهدٍ يجسد التحدي بالبقاء رغم أنوف الطغاة الذين كانوا يراقبوننا بحقدٍ من بعيد.

​■ لم يكن إفطاراً عادياً، بل كان “إفطار الوداع” الذي لم نكن نعلم بمرور ساعاته الأخيرة؛ ففي تلك اللحظة، جاءنا العزيز “علي شريف” من بيته العامر يحمل لنا مائدة الخير. كانت “عصيدة اللوبا” تتوسط المائدة، تنبعث منها رائحة الأرض والوفاء، وتلمع فوقها “الملاح” بصورة تعيد للروح ذكريات الأيام الخوالي، وكأن علي شريف أراد أن يسقينا من نبع كرمه قبل أن يجف ريقنا في المعتقلات.

​■ جلسنا رباعيتنا؛ أنا وعلي شريف ومحمد عبدالله ومحمود جيلي، وخامسنا “عبد الخالق”، نتحلق حول تلك “العدة” المتواضعة في مظهرها والعظيمة في جوهرها، وبدأنا نأكل بلقيماتٍ تداخل فيها طعم الصمود بمرارة الواقع.

▪️أقسم بصدق أننا لم نأكل مثلها قط، ليس لأن الجوع كان يقرص بطوننا، بل لأنها كانت مغسولة بصدق الأخوة، ومُعدة بيدٍ كريمة لم تبخل علينا حتى وهي تحت وطأة التهديد والترقب المرير.

​■ كانت كل لقمة بمثابة عهدٍ جديد بيننا على ألا نخون ذمة الجار ولا ننكسر أمام الجلاد، وكان “عبد الخالق” يرقبنا بإعجاب، مدركاً أن هذه المائدة هي حصننا الأخير قبل الاقتحام. تداخلت أحاديثنا المقتضبة عن القصف والدمار بمذاق “اللوبا” الفريد، فكانت تلك العصيدة هي زادنا الذي تقوينا به على ما ينتظرنا من ساعات عجاف، وكأنها كانت مباركة من دعوات الأمهات الصابرات.

​■ أمام دكان “بقالة ود محجوب”، كانت المائدة هي رسالتنا الصامتة للميليشيا التي كانت سياراتها تروح وتغدو في الشارع الرئيسي؛ رسالة مفادها أن الحياة تستمر والكرامة لا تُباع بلقمة عيش. أكلنا ونحن ندرك أن “العيون” ترصد حتى حركة أيدينا، لكن هيبة الموقف وجمال اللقاء جعلنا نتجاهل كل تلك الضغوط، ونستمتع بلحظات من الصفاء النادر في زمن الحرب.

​■ لم يطل بنا المقام كثيراً حول تلك المائدة، فقد كانت أنفاس “استخبارات الميليشيا” تقترب، وصوت محركات سياراتهم يزداد صخباً في الأزقة المجاورة، مؤذناً ببداية حملة الاعتقالات. رفعنا أيدينا من الطعام ونحن نحمد الله على نعمته، ونشكر “علي شريف” على تلك الوجبة التي بقيت ذكراها محفورة في وجداني، كأطيب ما أكلت في حياتي، لما حملته من معاني النخوة والارتباط الوثيق.

​■ انقضت صبيحة العيد، وبقيت غصة “عصيدة اللوبا” في الحلق تذكرني بمرارة الفقد وعظمة الموقف، فالعيد الذي بدأ بالدمار انتهى بالقيد، لكنه خلد في الذاكرة صورة “رباعية” لم تهزمها المدافع. سنواصل في الحلقة القادمة

​نواصل..

‫شاهد أيضًا‬

قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا

د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …