‫الرئيسية‬ مقالات حين تعجز النخب عن بناء الدولة: لماذا أخفقت العقول في إدارة السودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

حين تعجز النخب عن بناء الدولة: لماذا أخفقت العقول في إدارة السودان؟

مسارات  د.نجلاء حسين المكابرابي

منذ الاستقلال عام 1956 ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية. تعاقبت الحكومات، وتبدلت الأنظمة، لكن الدولة السودانية بقيت تعاني هشاشةً عميقة في مؤسساتها واستقرارها. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا فشلت النخب في إدارة الدولة في السودان؟

إن أزمة السودان ليست أزمة موارد أو جغرافيا أو تاريخ، بل هي في جوهرها أزمة نخب لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى تحديات الدولة الحديثة.

أولاً: غياب المشروع الوطني الجامع

أكبر إخفاق للنخب السودانية منذ الاستقلال كان عجزها عن صياغة مشروع وطني جامع يلتف حوله السودانيون. فقد انقسمت النخب بين تيارات أيديولوجية متصارعة: إسلامية، يسارية، طائفية، وقومية، وكل تيار سعى إلى فرض رؤيته الخاصة للدولة، دون التوافق على قاعدة وطنية مشتركة.

وهكذا تحولت السياسة إلى صراع نفوذ لا إلى بناء دولة.

ثانياً: الصراع على السلطة بدلاً من بناء المؤسسات

بدلاً من ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، انشغلت النخب السياسية بالصراع على الحكم. فكانت الانقلابات العسكرية نتيجة طبيعية لهذا الفشل. فمنذ انقلاب إبراهيم عبود عام 1958، مروراً بحكم جعفر نميري، وصولاً إلى نظام عمر البشير، ظل العسكر يتدخلون في السياسة بسبب ضعف البناء المدني.

والحقيقة أن الانقلابات لم تكن سوى عرضٍ لمرضٍ أعمق هو عجز النخب المدنية عن إدارة التنافس السياسي داخل المؤسسات.

ثالثاً: الطائفية السياسية

شكلت الطائفية أحد أكبر معوقات بناء الدولة في السودان. فقد ارتبطت الأحزاب الكبرى بولاءات دينية واجتماعية، مثل نفوذ عبد الرحمن المهدي و علي الميرغني، مما جعل الولاء للطائفة أحياناً يتقدم على الولاء للوطن.

وبذلك تحولت السياسة إلى امتداد للصراع الاجتماعي، لا إلى فضاء وطني جامع.

رابعاً: ضعف الكفاءة الإدارية

كثير من النخب التي تصدرت المشهد السياسي لم تمتلك الخبرة الكافية في إدارة الدولة الحديثة. فقد انتقلت من العمل السياسي أو الفكري إلى مواقع السلطة دون إعداد مؤسسي حقيقي، الأمر الذي أدى إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات.

فالدولة لا تُدار بالشعارات، بل بالكفاءة والحوكمة الرشيدة.

خامساً: غياب ثقافة التداول السلمي للسلطة

لم تستطع النخب السودانية ترسيخ تقاليد ديمقراطية مستقرة. فكل تجربة ديمقراطية قصيرة كانت تنتهي بانقلاب أو صراع سياسي حاد. والسبب أن كثيراً من القوى السياسية لم تؤمن بالديمقراطية إلا عندما تكون في السلطة.

وبذلك تحولت الديمقراطية إلى مرحلة انتقالية بين انقلابين.

سادساً: تغليب المصالح الضيقة

كثيراً ما قدمت النخب مصالحها الحزبية والشخصية على مصلحة الدولة. فغابت روح المسؤولية الوطنية، وحل محلها التنافس على المواقع والمكاسب، وهو ما أضعف ثقة الشعب في الطبقة السياسية.

سابعاً: العجز عن إدارة التنوع

السودان من أكثر دول إفريقيا تنوعاً ثقافياً وعرقياً، لكن النخب السياسية فشلت في إدارة هذا التنوع بطريقة عادلة ومتوازنة، مما أدى إلى نزاعات طويلة انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، وهو أحد أكبر إخفاقات الدولة السودانية الحديثة.

خاتمة

إن أزمة السودان ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة تراكمات طويلة من فشل النخب في بناء دولة المؤسسات. فالدولة لا تقوم على الولاءات الضيقة، ولا على الصراع على السلطة، بل على رؤية وطنية جامعة ومؤسسات قوية وكفاءات مؤهلة.

واليوم، بعد سنوات من الأزمات والحروب، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

هل تستطيع النخب السودانية أن تتعلم من أخطاء الماضي وتؤسس لمرحلة جديدة من الحكم الرشيد؟

إن مستقبل السودان لن تصنعه الشعارات، بل نخب جديدة تؤمن بالدولة قبل السلطة، وبالوطن قبل الحزب، وبالمؤسسات قبل الأشخاص.

‫شاهد أيضًا‬

قرار أمريكي يثير الجدل..تصنيف الإخوان في السودان إرهابيين وتجاهل جرائم المليشيا

د. شمينا: تصنيف الإخوان محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن أزماتها وتجاهل جرائم المليشيا  …