‫الرئيسية‬ مقالات الرياضيات: سيمفونية اللعب والعقل
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الرياضيات: سيمفونية اللعب والعقل

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

في الرابع عشر من مارس، حين يضبط العالم ساعته على إيقاع “العدد ط” (Pi)، لا نحتفل بمجرد أرقام صماء أو معادلات جافة، بل نحتفل باللغة التي صاغ بها الخالق هذا الكون الممتد. وفي عام 2026، يأتي اليوم العالمي للرياضيات تحت شعار ملهم بذكاء: (اللعب بالرياضيات)، يعيد تذكيرنا بأن هذا العلم في جوهره ليس قيداً ذهنياً، بل هو أعلى درجات الحرية والفرح الفكري.

بالنسبة لي، هذا التاريخ ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو استرجاع شريط ذكريات بدأ من أروقة مدرسة الأبيض الثانوية. هناك، حيث تم تصنيفي ضمن (تخصص الرياضيات)، لم يكن الأمر مجرد مسار دراسي، بل كان اعترافاً بشغف مبكر جعلني أرى في الهندسة والمنطق أسلوب حياة. ومن رحم هذا الشغف، قمت بتأسيس “جمعية الهوايات العقلية” بمدرسة الابيض الثانوية في سبعينات القرن الماضي، إيماناً مني بأن العقل يحتاج إلى “رياضة” تماماً كما يحتاج الجسد، وأن الرياضيات هي المضمار الأرقى لهذه الرياضة.

إن شعار “اللعب بالرياضيات” لعام 2026 يتقاطع تماماً مع فلسفة الهوايات العقلية التي نادينا بها. اللعب هو الطريقة الفطرية للتعلم، والرياضيات حين تتحول إلى لعبة استراتيجية – كالشطرنج أو السودوكو أو حل الألغاز – تتحول من عبء دراسي إلى أداة لتحفيز الدماغ، وتعزيز الذاكرة، ورفع القدرة على اتخاذ القرار. إنها الهواية التي تحمي عقولنا من التدهور الإدراكي وتمنحنا مرونة في مواجهة تعقيدات الحياة.

لقد علمتني الرياضيات في صباي كيف أفكر نقداً ومنطقاً، وهي ذاتها التي قادت خطاي لاحقاً إلى دراسة هندسة السيارات في “وادي حوف” بحلوان مصر خلال السبعينيات، ثم إلى المساهمة مع طاقم مهندسي هندسة المطارات بمصلحة الطيران المدني في تشييد “مطار الأبيض” العزيز. لم يكن ذلك الإنجاز المعماري والتنموي ليتحقق لولا تلك الأسس الرياضية التي تعلمناها “بمتعة” و”شغف”.

اليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لم تعد الرياضيات خياراً، بل هي ضرورة وجودية. إنها المحرك الكامن خلف كل خوارزمية، والسر وراء كل طفرة تكنولوجية. لذا، فإن دعوة العالم لـ “اللعب بالرياضيات” هي دعوة لكسر حاجز الرهبة بين الأجيال الجديدة وهذا العلم، وتحويله إلى نشاط ممتع ينمي الخيال ويرتب الأفكار.

في هذا اليوم العالمي، وبصفتي محباً لهذا العلم ومؤسساً لجمعية تعنى بجماليات العقل، أدعو المؤسسات التعليمية والشباب إلى تبني “الهوايات العقلية” كجزء من نمط حياتهم. لنحتفل بالرياضيات ليس بحفظ القوانين، بل بممارسة التفكير الإبداعي، وحل الألغاز التي تفتح مغاليق الفهم، ولنتذكر دائماً أن العقل الذي يتدرب على “اللعب بالمنطق” هو عقل لا يهرم أبداً.

إن بناء مستقبل مشرق لأمتنا يبدأ من تقديرنا للغة الكون، ومن غرس حب المعرفة في نفوس أبنائنا، تماماً كما غرسنا بذور الطموح يوماً في “مدرسة الأبيض الثانوية” لنحصد مطاراتٍ ومنجزاتٍ تخدم الوطن.

 

14 مارس 2026

‫شاهد أيضًا‬

بدعوة من مولانا السيد محمد عثمان الميرغني.. إفطار سنوي يجمع قيادات صوفية ووفد اتحاد شباب العرب بفندق البارون

بدعوة كريمة من مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، أُقيم الإفطار السنوي للميرغني بفندق البار…