عودة لجنة التفكيك… أم عودة الحكاية؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

«أخطر ما يمكن أن يحدث في تاريخ الشعوب… ليس أن تتغير السلطة… بل أن تتكرر الحكاية نفسها بأسماء جديدة.»
في الذاكرة السياسية السودانية…
هناك مصطلحات لا تموت بسهولة.
أحدها…
“القطط السمان”.
مصطلحٌ وُلد في سنوات ما قبل ثورة ديسمبر ٢٠١٨م
حين أصبح رمزاً لغضب الشارع من فسادٍ متراكم
ومن شبكة مصالحٍ بدت – في نظر الناس – أكبر من الدولة نفسها.
وحين جاءت الثورة…
لم يكن الشعار مجرد وصفٍ اقتصادي
بل كان وعداً أخلاقياً بإعادة ضبط ميزان العدالة.
لكن ما حدث لاحقاً…
أن المصطلح لم يختفِ.
بل تغيّر موقعه فقط.
فبعد الثورة…
ظهر مشهد جديد:
لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو.
وكانت الفكرة في ظاهرها واضحة:
تفكيك شبكة السلطة القديمة
واستعادة المال العام
وإعادة بناء الدولة.
غير أن ما حدث في الواقع…
كان أكثر تعقيداً.
ففي السياسة…
حين تُدار العدالة عبر مناخ التحشيد…
تتحول أحياناً من “أداة إصلاح” إلى “أداة صراع”.
وهنا بدأت المفارقة.
القطط السمان…
التي كانت رمزاً للفساد قبل الثورة
تحولت – في الخطاب المضاد – إلى اتهامٍ جديد:
أن التفكيك نفسه…
قد يُنتج قططاً سماناً من نوعٍ آخر.
وهنا ظهرت العبارة الساخرة التي يتداولها السودانيون اليوم:
“كلاكيكيت القطط السمان”.
أي إعادة إنتاج نفس المشهد…
لكن بوجوه مختلفة.
في الفلسفة السياسية…
المشكلة لا تبدأ حين يُحاسَب الفاسد
بل حين تتحول المحاسبة إلى ساحة صراع سياسي.
وفي التاريخ…
كثير من الدول حاولت تفكيك الأنظمة القديمة
لكنها وقعت في فخٍ آخر:
استبدال شبكة مصالح…
بشبكة مصالح جديدة.
وفي السودان…
كان السياق أكثر هشاشة.
فالدولة نفسها كانت في طور التشكل
والمؤسسات كانت ضعيفة
والشارع كان مشحوناً
والاستقطاب بلغ ذروته.
وهنا…
دخل العامل الجيوسياسي إلى المشهد.
السودان لم يكن يعيش انتقالاً سياسياً داخلياً فقط
بل كان يقف في قلب تقاطع إقليمي شديد التعقيد.
البحر الأحمر…
الذهب…
الموقع الجغرافي بين إفريقيا والعالم العربي…
كلها جعلت السودان ساحة اهتمام دولي وإقليمي.
وفي مثل هذه البيئات الهشة…
تتحول الصراعات الداخلية بسهولة إلى أدوات ضمن لعبة أكبر.
ولهذا…
لم يكن غريباً أن يتحول الجدل حول التفكيك
من سؤال العدالة…
إلى سؤال السلطة نفسها.
من يحاسب من؟
ومن يملك تعريف الفساد؟
ومن يحدد أين تنتهي الثورة… وأين تبدأ الدولة؟
ثم جاءت لحظة ١٥ أبريل ٢٠٢٣م
لتكشف أن الصراع لم يكن سياسياً فقط…
بل كان أعمق بكثير.
فالخراب الذي أصاب الدولة
لم يكن نتيجة خلاف عابر
بل نتيجة تراكم طويل من إدارة السياسة عبر التحشيد
بدلاً من المؤسسات.
وهنا تعود الحكاية إلى بدايتها.
“القطط السمان”
لم تكن مجرد وصف لطبقة فاسدة.
بل كانت تعبيراً عن خللٍ أعمق
في العلاقة بين السلطة والثروة والدولة.
والسؤال اليوم…
ليس فقط:
هل تعود لجنة التفكيك؟
بل السؤال الأهم:
هل يعود السودان إلى نفس الدائرة مرة أخرى؟
دائرة الاتهام…
ثم الاتهام المضاد…
ثم إعادة إنتاج الصراع.
لأن المشكلة في نهاية المطاف…
ليست في “القطط السمان” وحدها.
بل في النظام الذي يسمح – كل مرة –
بظهور قططٍ جديدة.
وهنا تحديداً يقف السودان أمام لحظة اختبار حقيقية.
إما أن يتحول شعار العدالة
إلى مشروع مؤسسات.
أو يظل مجرد فصلٍ جديد
في مسلسل الصراع.
وبين الثورة… والدولة…
تبقى الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها:
«الدول لا تنهار فقط حين ينتصر الفساد…
بل أيضاً حين تتحول محاربة الفساد نفسها إلى معركة سلطة.»
وهنا بالضبط #أصل_القضية





