وداعا… حكيم الأمة..!!
رمضان محجوب

■ غيب الموت اليوم بالديار المقدسة، البروفيسور محمد عثمان صالح، الذي ترجل عن صهوة جواد الحياة بعد مسيرة عامرة بالبذل، لينتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً في قلوب تلامذته ومحبيه وأبناء وطنه الذين عرفوه عالماً ووقوراً.
■ رحيل هذا الرمز يطوي صفحة مضيئة من تاريخ العلم والدعوة في السودان، فقد عاش الفقيد حياته مخلصاً لدينه وأمته، حتى وافاه الأجل المحتوم وهو في رحاب الحرمين الشريفين، تاركاً إرثاً فكرياً لا يمحوه الغياب.
■ لم يكن بروفيسور صالح مجرد عابر سبيل في دنيا الناس، بل كان باني مجد هيئة علماء السودان، قضى فيها ثلاثين عاماً آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، متخذاً من الحكمة والموعظة الحسنة دثاراً ومنهجاً في كل المحافل التي وطأتها قدماه الطاهرتان.
■ لم يقتصر عطاء الراحل المقيم على منبر الهيئة فحسب، بل كان إشعاعاً معرفياً تجلى في إدارة جامعة أم درمان الإسلامية، حيث شهدت في عهده نهضة أكاديمية ومؤسسية، جعلت منها منارة شامخة تعانق السماء علماً وأدباً وخلقاً وتوسعاً مؤسسياً ملحوظاً.
■ بصيرة بروفيسور محمد عثمان صالح كانت تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، فقد أسس مركز أبحاث الإيمان ليكون مرجعاً فكرياً، ومد جسور الدعوة إلى الحقل التربوي وزيراً للتربية والتعليم، مؤمناً بأن إصلاح المجتمع يبدأ من غرس القيم في نفوس الناشئة.
■ كان الفقيد أنموذجاً فريداً للداعية الشامل، الذي جمع بين الصرامة العلمية في تأليف المصنفات الشرعية، وبين المرونة الاجتماعية في رعاية المبادرات الإنسانية، ولعل تأسيسه ورعايته لاتحاد النساء العالمي يقف شاهداً على أفقه الدعوي المتسع.
■ واجهت هيئة علماء السودان في عهده عواصف عاتية وضربات قوية، لكنه وبحكمته المعهودة، استطاع أن يعبر بها إلى بر الأمان، مرسياً دعائم مؤسسة علمية وسطية ترفض الغلو وتنشد الاعتدال، مما جعلها صوتاً مسموعاً ومحترماً في الشأن العام.
■ فقده اليوم في بلاد الحرمين، الأرض التي أحبها وأخلص لمنهجها، يترك خلفه مكتبة إسلامية ثرية، وتلامذة انتشروا في بقاع الأرض يحملون مشاعل النور التي أوقدها بجهده وسهره، ليبقى ذكره حياً في كل آية تُفسر وحديث يُروى.
■ الراحل كان أحد أعمدة الفكر الوسطي، فجمع بين عمادة كلية الدعوة والإعلام ونيابة مدير جامعة القرآن الكريم، قبل أن يضع بصمته الذهبية في إدارة “الإسلامية” بين عامي 2001 و2009، محققاً طفرة نوعية في بنيتها التحتية ومكانتها العالمية.
■ فقد السودان لهذا الرمز هو فقد لمنارة اهتداء، فقد كان صوته دائماً هو صوت العقل والحكمة، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، ويمد يده لكل ما فيه صلاح البلاد والعباد، متمثلاً قيم الدين الحنيف في سلوكه الشخصي قبل قوله.
■ فقد غرس البروفيسور في تربة الوطن بذور الاعتدال، وسقاها من نبع علمه الصافي، حتى غدت أشجاراً يستظل بها طلاب العلم، فكانت حياته سلسلة متصلة من العطاء الأكاديمي والتنفيذي الذي قلما يجتمع في شخصية واحدة بهذا النبل والارتقاء.
■ برحيله تنطوي صفحة من تاريخ الدعوة في السودان، لكن أثرها سيبقى باقياً ما بقي الليل والنهار، فالعظماء لا يرحلون تماماً، بل يتركون فينا مآثرهم لتكون لنا نبراساً نهتدي به في دروب الحياة الوعرة ومسالك الفكر المتشعبة.
■ لقد جسد الراحل مفهوم “العالم العامل”، فكانت حياته تطبيقاً عملياً لما يؤمن به، لم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يحد عن جادة الصواب مهما تغيرت الظروف، فظل ثابتاً كالطود الأشم، يبعث الطمأنينة في القلوب بحضوره وهيبته.
■ نعزي فيه أنفسنا، ونعزي الأمة الإسلامية والسودان قاطبة، سائلين الله أن يلهم أهله وذويه ومحبيه وطلابه الصبر الجميل، فالمصيبة بفقده عظيمة، لكن عزاؤنا أنه قدم لأمته ما يخلد اسمه في سجلات الخالدين من أولي العلم والنهى.
▪️ نسأل الله العلي القدير أن يتقبل هذا العالم الرباني في عليين، وأن يجعل كل حرف خطه، وكل كلمة فاه بها في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا بجوار المصطفى.
معايدة وطنية بروح التصوف… صوت واحد من أجل الكرامة
في مشهدٍ امتزجت فيه الروحانية بالوطنية، نظّمت الهيئة الصوفية القومية لإسناد معركة الكرامة …





