‫الرئيسية‬ مقالات اقتصاد الصمود: حين يصبح الترشيد عبادة وضرورة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

اقتصاد الصمود: حين يصبح الترشيد عبادة وضرورة

أجيال النيل د. سهام موسى

بصفتي أخصائية في علم النفس وباحثة في الإرشاد الأسري، أدرك تماماً أن الانتقال من وطن إلى آخر تحت وطأة الحرب ليس مجرد رحلة جغرافية، بل هو زلزال نفسي واجتماعي يعيد صياغة أولوياتنا. للأسر السودانية التي استقر بها المقام في مصر الشقيقة، أنتم اليوم لا تديرون “بيوتاً” فحسب، بل تديرون “معارك صمود” يومية. وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وضغوط اللجوء، يتحول “ترشيد الاستهلاك” من مجرد ثقافة توفير إلى استراتيجية بقاء ذكية وعمل أخلاقي رفيع.

 

بمناسبة اليوم العالمي للهدر، نفتح معاً ملفاً قد يغيب عن الأذهان وسط زحام الهموم، لكنه المفتاح لاستقرارنا النفسي والمادي. إن الهدر ليس ضياعاً للمال فقط، بل هو استنزاف لطاقة الأسرة وقلق إضافي نحن في غنى عنه.
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن 14% من الغذاء عالمياً يُفقد قبل وصوله للمستهلك، بينما نُهدر نحن كمستهلكين كميات ضخمة بعاداتنا اليومية. بالنسبة للأسرة السودانية التي تعتز بقيم الكرم والجود، علينا اليوم إعادة تعريف “الكرم” ليكون إطعاماً بذكاء لا إسرافاً بتبذير، فقبل النزول للسوق، حددي بدقة ما يحتاجه منزلك. التسوق العشوائي هو العدو الأول للميزانية، وابدأوا بتقديم كميات أقل من الطعام في الأطباق. تذكري أن فائض القدر يمكن حفظه، لكن فائض الصحن مصيره الهدر، ونقلل من ثقافة تقديم الأكل في أواني كبيرة ومتعددة، مع ضرورة إعادة تدوير النعم، ولا تسميها “فضلات”، بل هي “مكونات لوجبة جديدة”. الخبز الجاف يمكن تحويله لـ “فتة”، وبقايا الخضار يمكن أن تكون شوربة مغذية، وبقايا الأكبر يمكن أن يكون سندوتشات، مع إحياء ثقافة جمال “الخضار القبيح”، فلا ترفضي الفاكهة أو الخضار لمجرد شكلها غير المتناسق؛ فهي تحمل نفس القيمة الغذائية وغالباً ما تكون أرخص ثمناً.
في بلد المضيف (مصر)، تخضع موارد الطاقة (كهرباء، غاز، مياه) لنظام محاسبي دقيق، وأي هدر فيها ينعكس فوراً على استقرارك المالي، فاجعلوا إطفاء الأنوار في الغرف غير المشغولة “مسؤولية عائلية” يشارك فيها الأبناء. استخدام الأجهزة الكهربائية (كالمكواة والسخان) بذكاء وفي أوقات الضرورة يقيكم مفاجآت الفواتير المرتفعة، مع ملاحظة أن إنتاج الغذاء يستهلك كميات مهولة من الماء. ترشيد الماء عند الوضوء أو غسل الأواني هو احترام البيئة والحفاظ على حق الآخرين.

 

أحياناً يكون الهدر “تعويضاً نفسياً” عن شعورنا بالفقد أو محاولة لإثبات أننا “بخير” رغم ظروف الحرب. لكن الحقيقة العلمية تقول: إن الانضباط الاستهلاكي يمنح شعوراً بالسيطرة والأمان. عندما تتحكم في استهلاكك، فأنت تمارس سيادة على حياتك الجديدة، وتقلل من مشاعر التوتر والارتباك المالي.
“إن الغذاء ليس تحصيلاً حاصلاً للملايين الذين يعانون الجوع يومياً. عندما نقلل المهدر، فنحن نمارس أسمى آيات الاحترام للإنسانية ولأنفسنا.”

 

رسالتي لكل أم وأب سوداني: أنتم تبنون مستقبلاً جديداً في ظروف استثنائية. اجعلوا من منزلكم مدرسة في “الوعي”. علّموا أبناءكم أن القوة تكمن في الكفاية لا في الفياض، وأن الحفاظ على موارد مصر (البلد الذي احتضنكم) هو جزء من رد الجميل والوفاء.

 

نحن لا ندعو للتقشف الذي يحرمكم من جودة الحياة، بل ندعو لـ “الاستهلاك الواعي” الذي يضمن استدامة هذه الحياة. كونوا “أبطالاً في مجال الغذاء” وفي حفظ النعم، ليكون غدكم أكثر أماناً واستقراراً.

‫شاهد أيضًا‬

معايدة وطنية بروح التصوف… صوت واحد من أجل الكرامة

في مشهدٍ امتزجت فيه الروحانية بالوطنية، نظّمت الهيئة الصوفية القومية لإسناد معركة الكرامة …