جرائم خارج دائرة التشريع
ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون

٢٩-٣-٢٠٢٦
تعاني القوانين الوضعية، وعلى رأسها القانون الجنائي السوداني، من فراغٍ تشريعي في تكييف بعض الممارسات التي ترتقي إلى وصف الجرائم شديدة الخطورة. ويبدو أن المشرّع لم يواكب التطور المتسارع لأنماط الجريمة، الأمر الذي جعل عملية تعديل وإضافة النصوص القانونية تتسم بالجمود. ونتيجة لذلك، برزت بعض الأفعال الخطيرة التي تختبئ خلف قصور التشريع، متسببة في اضطراب مجتمعي، وبثّ روح الاحتقان بين المكونات الاجتماعية، بل وفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ[الموت المجاني].
ومن أبرز هذه الجرائم:
١
– ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات العامة والخاصة، والتي تحولت إلى سلوك متكرر رغم ما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة تهدد الأرواح البشرية. وقد اضطرت السلطات الولائية في مدن السودان إلى إصدار العديد من الأوامر والقرارات المحلية، استناداً إلى قوانين الطوارئ، بهدف الحد من هذه الظاهرة وتجريمها.
كما أن السلطات الإجرائية، ممثلة في وكلاء النيابة، تملك بموجب قانون الإجراءات الجنائية لسنة ١٩٩١ وموجب المادة ١٣٠، سلطة منع أو إيقاف أي فعل يُحتمل أن يشكل جريمة. كذلك يجوز للجان أمن الولايات فرض حظر على مثل هذه الممارسات وتوقيع عقوبات مناسبة في إطار قوانين الطوارئ. غير أن هذه التدابير، بطبيعتها المؤقتة والاستثنائية، لم تفلح في القضاء على الظاهرة أو الحد منها بشكل فعّال.
ويرجع ذلك إلى أن هذه الأفعال لم تُنظَّم بنصوص جنائية صريحة ودائمة تحقق الردع العام، وتضع حداً لكل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الناس وسلامتهم. فمطلق العيار الناري في لحظة انفعال عابرة، قد يضع حياة الحاضرين رهينة لضغطة إصبع على زناد السلاح، في مشهد تختلط فيه مشاعر الفرح بالخطر الداهم، مع رغم علمه بأن قوته الجسمانية لا تسمح له بضرب الكلاشنكوف بيد واحدة. ومن الملاحظ أن مرتكب هذا السلوك، في كثير من الأحيان، يكون مدفوعاً برغبة في لفت الانتباه وإظهار الهيبة أو ما يُعرف اجتماعياً بـ[التحشيش]. وهنا تكتمل دائرة المأساة، حين تتحول المناسبة السعيدة إلى كارثة إنسانية بسبب سلوك طائش، لم يُقابَل حتى الآن بنص قانوني رادع ومباشر.
إن ترك معالجة هذه الظاهرة لقوانين الطوارئ والإجراءات الوقائية وحدها، دون إدراجها ضمن نصوص القانون الجنائي، يُعد قصوراً تشريعياً واضحاً. وعليه، فإنه يتعين على الجهات التشريعية المختصة التدخل لتحريك جمود النصوص الحالية، عبر إدخال تعديل صريح يُجرّم هذا الفعل ويُحدّد له عقوبات تتناسب مع خطورته.
وفي هذا السياق، يمكن اقتراح إضافة مادة جديدة إلى القانون الجنائي تُقرأ كالآتي مثلاً:
المادة (…)
أ- يُعد مرتكباً جريمة إطلاق الأعيرة النارية كل من يستخدم سلاحاً نارياً في المناسبات العامة أو الخاصة، أو في أماكن الاحتفالات والأفراح، ويُعاقب بالسجن مدة لا تجاوز ستة أشهر أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً، مع مصادرة السلاح.
ب- إذا ترتب على الفعل حدوث وفاة أو أذى جسيم، تُشدَّد العقوبة بالسجن مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وذلك دون الإخلال بالدية أو التعويض.
٢
– العنصرية اللفظية المنتشرة وسط المجتمع. وتُعدّ العنصرية من أخطر الظواهر الاجتماعية المتفشية في المجتمع، إذ تتجلى في كثير من الأحيان في صورة ألفاظ مسيئة تنطوي على قدر بالغ من الاستفزاز والإهانة. وغالباً ما تكون هذه الألفاظ الشرارة الأولى لردود أفعال عنيفة من قبل المستهدف بها، قد تتطور إلى جرائم جسيمة تصل إلى حد إحداث الأذى الجسدي أو الوفاة. وعند هذه المرحلة، تتحمل السلطة القضائية عبئاً ثقيلاً في تكييف الواقعة، ومن ثم تحقيق التناسب بين الجريمة المرتكبة والعقوبة المقررة.
وتُعد عبارة [يا عب] من أبرز صور هذا السلوك، حيث تمثل إساءة تمس الكرامة الإنسانية، وتتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية قبل أن تخالف القواعد القانونية. وهي في أثرها، أشبه بعود كبريت ثقاب قد يشعل حريقاً واسع النطاق، ما لم تتدخل أدوات التشريع لإخماده قبل أن يمتد ليقوّض العلاقات بين مكونات المجتمع.
وبالرجوع إلى السياق التاريخي، نجد أن هذه العبارة قد استُخدمت على نطاق واسع في إقليم دارفور خلال فترة حرب دارفور، قبل أن تنتشر لاحقاً في مختلف أنحاء البلاد، لتتحول إلى نمط من أنماط الاستفزاز المتداول في الخطاب اليومي لدى بعض الأفراد، بما تحمله من دلالات تمييزية خطيرة.
وعند استقراء نصوص القانون الجنائي السوداني النافذ، بحثاً عن تكييف قانوني مناسب لمثل هذه الأفعال، يتضح أن بعض السوابق القضائية في المحاكم الابتدائية قد لجأت إلى تطبيق نص المادة [٦٤] من القانون الجنائي النافذ والمتعلقة بجريمة إثارة الكراهية ضد الطوائف أو بينها، والتي تصل عقوبتها إلى السجن لمدة سنتين. غير أن هذه المادة تنصرف إلى الأفعال الموجهة ضد جماعات أو طوائف، تجمعها رابطة إثنية أو دينية أو غيرها، وهو ما يجعل تطبيقها على الألفاظ الموجهة إلى فرد بعينه تطبيقاً محل نظر من الناحية القانونية.
فالتفسير السليم للنصوص وتكييفها مع الوقائع يقتضي أن يكون الفعل موجهاً إلى كيان جماعي، لا إلى شخص محدد، الأمر الذي قد يعرّض الأحكام الصادرة استناداً إلى هذه المادة للنقض أمام المحاكم الأعلى أو للطعن بعدم الدستورية.
أما النص الأقرب من حيث التكييف، فهو المادة [١٦٠] من القانون الجنائي، المتعلقة بالإساءة والسباب، والتي لا تتجاوز عقوبتها السجن لمدة شهر واحد. غير أن هذه العقوبة تبدو غير متناسبة مع جسامة الأثر النفسي والاجتماعي الذي تخلّفه العبارات العنصرية، ولا تحقق الردع الكافي، ولا تُرضي الإحساس العام بالعدالة.
وعليه، فإن معالجة هذه الظاهرة تقتضي تدخلاً تشريعياً صريحاً، من خلال استحداث نص قانوني يُجرّم العنصرية الموجهة ضد الأفراد، ويضع لها عقوبات رادعة تتناسب مع خطورتها. ويمكن في هذا السياق الاستفادة من التجارب المقارنة، وعلى رأسها تجربة رواندا، التي أعقبت الإبادة الجماعية في رواندا بإصلاحات تشريعية صارمة، جرّمت كافة أشكال الخطاب العنصري، حمايةً للسلم الاجتماعي ومنعاً لتكرار المآسي.
إن سنّ نص قانوني واضح في هذا المجال لا يهدف فقط إلى العقاب، بل إلى حماية النسيج الاجتماعي، ومنع تحول الكلمات إلى جرائم، والحد من دوامات العنف التي تبدأ بلفظ وتنتهي بكارثة.
معايدة وطنية بروح التصوف… صوت واحد من أجل الكرامة
في مشهدٍ امتزجت فيه الروحانية بالوطنية، نظّمت الهيئة الصوفية القومية لإسناد معركة الكرامة …





