‫الرئيسية‬ مقالات أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة الحلقة الأولى: جذور الدعم وأسباب التورط  
مقالات - ‫‫‫‏‫59 دقيقة مضت‬

أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة الحلقة الأولى: جذور الدعم وأسباب التورط  

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

منذ عقود ظلّت أبوظبي تبحث عن موقع يتجاوز حدودها الضيقة لتصبح رقماً صعباً في معادلة الإقليم، ولم تجد وسيلة أكثر فاعلية من الاستثمار في المليشيات كأداة نفوذ ووسيلة ضغط. فالمليشيات بالنسبة لها ليست مجرد جماعات مسلّحة تنشط في هوامش الدول، بل هي أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، وصمام لها ورئة تتنفس بها تُستخدم في إعادة تشكيل الخرائط وتغيير موازين القوى، وتمنحها القدرة على التدخل المباشر في مسارات الأحداث دون أن تتحمل مسؤولية رسمية أو تواجه مساءلة علنية.فهي وسيلة تهب بها خيرات الشعوب ،وهذا الخيار الاستراتيجي لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لرؤية ترى أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر الاقتصاد أو الدبلوماسية الناعمة، وإنما عبر أدوات خشنة قادرة على فرض الأمر الواقع في ساحات الصراع.

 

في اليمن، كان دعم أبوظبي للمليشيات جزءاً من مشروع السيطرة على الموانئ والجزر الحيوية، وفي ليبيا تحوّل إلى محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي بما يضمن لها موطئ قدم في شمال أفريقيا، أما في السودان فقد بدا الأمر أكثر وضوحاً وأكثر خطورة، إذ انخرطت أبوظبي في تمويل وتسليح وتوجيه، وكأنها تسعى إلى إعادة صياغة مستقبل البلاد بما يخدم مصالحها الخاصة، غير عابئة بما يترتب على ذلك من انهيار الدولة السودانية التي أنهكتها الحروب والانقسامات. السودان بالنسبة لها ليس مجرد ساحة صراع عابرة، بل هو بوابة استراتيجية نحو العمق الأفريقي، وميدان يمكن من خلاله التحكم في مسارات التجارة والموارد، فضلاً عن التأثير على توازنات القوى الإقليمية.

 

جذور هذا الدعم تعود إلى قناعة راسخة لدى أبوظبي بأن المليشيات تمنحها القدرة على التحرك في الظل، فهي تظل بعيدة عن الأضواء بينما تتحرك المليشيا المسلحة على الأرض، تنفذ ما يُراد لها أن تنفذه، وتحقق مكاسب ملموسة في السيطرة على الموانئ أو تعطيل أي مشروع ديمقراطي قد يهدد مصالحها. بهذا المعنى تصبح المليشيات أداة متعددة الاستخدامات، فهي مرةوسيلة للضغط على الحكومات، ومرة أخرى وسيلة لتقويض خصوم سياسيين، وفي أحيان كثيرة وسيلة لفتح الطريق أمام مشاريع اقتصادية واستثمارات لا يمكن تمريرها عبر القنوات الرسمية.

 

إن رحلة أبوظبي في دهاليز السياسة المظلمة عبر المليشيات تكشف عن رؤية تتجاوز حدود اللحظة، رؤية ترى أن النفوذ لا يُكتسب عبر الخطاب الدبلوماسي وحده، بل عبر القدرة على التحكم في مسارات العنف وإدارة الفوضى. هذه السياسة وإن منحتها مكاسب آنية، إلا أنها تترك وراءها دولاً ممزقة وشعوباً منهكة، وتفتح الباب أمام دورات جديدة من الصراع يصعب التنبؤ بمآلاتها.

 

السودان اليوم يمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة، حيث تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية، وتتشابك فيه الحسابات بين القوى الكبرى والفاعلين المحليين، ليصبح مسرحاً مفتوحاً لتجارب النفوذ التي تمارسها أبوظبي عبر أدواتها غير التقليدية.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) ​قلق الخروج

■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة …