أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة الحلقة الثانية: الأبعاد الإقليمية وصراع النفوذ : الأبعاد الإقليمية وصراع النفوذ
نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولى

إنّ الأبعاد الإقليمية تمثل المحرك الأساسي الذي يدفع أبوظبي إلى التورط في ملفات معقدة مثل السودان، فحكومة أبوظبي لا تكتفي بدورها الاقتصادي أو الاستثماري بل تسعى إلى أن تكون قوة إقليمية ذات مشروع خاص، قوة تريد أن تثبت أنها ليست مجرد تابع بل لاعب قادر على المنافسة في ساحة تتزاحم فيها المشاريع وتتصارع فيها الإرادات، ومن هنا يأتي الانغماس في دعم المليشيات وتغذية الصراعات، إذ ترى أبوظبي أن السيطرة على مسارات الأحداث في السودان يمنحها أوراقاً تفاوضية في ملفات أخرى، ويجعلها حاضرة في كل طاولة إقليمية، لكنها لا تدرك أن هذا الحضور يأتي على حساب استقرار الشعوب وعلى حساب مستقبل المنطقة بأكملها.
السودان بالنسبة لأبوظبي ليس مجرد بلد بعيد، بل ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ساحة تُستنزف فيها الموارد وتُراق فيها الدماء بلا طائل، ساحة تتحول إلى مسرح لتجريب أدوات النفوذ، فالمليشيات هنا ليست سوى أداة في يدها، أداة تستخدمها لتثبيت حضورها وإظهار قدرتها على التأثير، لكنها في الحقيقة تزرع بذور الفوضى وتعمّق الانقسامات وتدفع السودان إلى مزيد من التشرذم والانهيار، وكأنها تريد أن يبقى هذا البلد ضعيفاً هشاً يسهل التحكم فيه، غير عابئة بما يترتب على ذلك من معاناة إنسانية وانهيار اقتصادي واجتماعي.
إنّ صراع النفوذ الذي تخوضه أبوظبي مع قوى أخرى في المنطقة هو صراع غير معلن لكنه حاضر في كل تفاصيل المشهد، فهي تريد أن تنافس وتثبت أنها قادرة على فرض إرادتها،كما قالت إحدي مستشاريها أصبحنا عندنا عضلات ،مع الاسف تستخدمها في مسارات مدمرة، عبر دعمها للمليشيات التي لا تحمل مشروعاً وطنياً بل مشروعاً تخريبياً، عبر تغذية حرب لا تنتهي، عبر تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال التدخلات، وهذا الصراع لا يقتصر على السودان وحده بل يمتد إلى ليبيا واليمن وسوريا وغيرها، حيث تتكرر ذات السياسة بذات الأدوات، سياسة تقوم على إشعال الحرائق ثم الادعاء بالقدرة على إطفائها.
إنّ ما تفعله أبوظبي في السودان ليس سوى جزء من مشروع أكبر، مشروع يريد أن يمنحها مكانة إقليمية، لكنه في الحقيقة يضعها في مواجهة مع الشعوب، يضعها في موقع من يعبث بمصائر الآخرين، يضعها في خانة من يزرع الفوضى بدل أن يبني الاستقرار، ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى متى ستظل أبوظبي غارقة في هذا الوهم، إلى متى ستظل تظن أن النفوذ يُبنى على أنقاض الدول، إلى متى ستظل تعتقد أن الدماء التي تُراق يمكن أن تكون جسراً إلى القوة، إلى متى ستظل غافلة عن أن التاريخ لا يرحم من يعبث بمصائر الشعوب.
إنّ السودان اليوم يدفع الثمن، شعبه يدفع الثمن، أرضه تدفع الثمن، اقتصاده يدفع الثمن، كل ذلك بسبب حسابات ضيقة ورغبة في نفوذ لا يستند إلى منطق ولا إلى أخلاق، وكل ذلك بسبب تدخلات خارجية ترى في السودان مجرد ورقة تفاوضية، مجرد ساحة لتصفية الحسابات، مجرد مجال لتجريب أدوات النفوذ، لكن الحقيقة أن السودان ليس ورقة ولا ساحة ولا مجالاً للتجريب، السودان بلد له شعب يستحق الحياة الكريمة، له تاريخ يستحق الاحترام، له مستقبل يجب أن يُبنى على الاستقرار والتنمية لا على الفوضى والانقسام.
إنّ الأبعاد الإقليمية التي تدفع أبوظبي إلى هذا المسار هي أبعاد خطيرة، لأنها لا تراعي مصالح الشعوب ولا تحترم سيادة الدول، بل تقوم على منطق الهيمنة والسيطرة، منطق يرى أن القوة تُبنى عبر المليشيات لا عبر التنمية، منطق يرى أن النفوذ يُصنع عبر الدماء لا عبر التعاون، منطق يرى أن الحضور يُفرض عبر الفوضى لا عبر الاستقرار، وهذا المنطق هو الذي يجعل السودان اليوم غارقاً في أزماته، وهو الذي يجعل المنطقة كلها رهينة لصراعات لا تنتهي، وهو الذي يجعل أبوظبي في مواجهة مع التاريخ ومع الشعوب ومع القيم الإنسانية.
إنّ اللحظة قد حانت لأبوظبي أن تراجع نفسها، أن تدرك أن ما تفعله لا يجلب لها سوى العزلة والعداء، أن تفهم أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الدول بل على التعاون والتنمية، أن تعي أن السودان ليس ساحة لتجاربها بل بلد له شعب يستحق الاحترام، أن تفوق من غفلتها قبل أن يفوت الأوان، لأن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والدماء لا تُمحى، والفوضى لا تتحول إلى استقرار، بل تظل لعنة تطارد من أشعلها، ولعل أبوظبي إن أرادت أن تكون قوة حقيقية فعليها أن تختار طريقاً آخر، طريقاً يقوم على البناء لا على الهدم، على التنمية لا على الفوضى، على التعاون لا على المليشيات، على الاستقرار لا على الصراع
meehad74@gmail.com
دبلوماسية الإنجاز: سفارة السودان بالقاهرة وترسيخ “النموذج”
Ghariba2013@gmail.com في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، تحولت ا…





