‫الرئيسية‬ مقالات الشمالية.. “حكاية” الدقيق الفاسد..!!
مقالات - ‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

الشمالية.. “حكاية” الدقيق الفاسد..!!

رمضان محجوب

■ لسنا في مقامِ “تنميق” المفردات أو محاولة “تطريب” القارئ لنضع النقاط فوق الحروف حين تتشابك الوقائع، بل هو صميم واجبنا المهني وأمانة “القلم” التي تفرضها استقامة المسؤولية أمام المواطن، فمحاولة الالتفاف على الحقائق للوصول إلى استنتاجات “فطيرة” تشبه تماماً “حرث البحر”، فهي مجهود ضائع لا يثمر إلا زبداً يذهب جفاءً أمام منطق المستندات والوقائع التي لا تقبل “الغتغيت” أو القفز فوق التواريخ المعلومة بالضرورة.

​■ وارتباطاً بهذا المنطق، فإن قضية المواد التالفة التي أثيرت مؤخراً، تعود جذورها إلى أكثر من عام، حينما تحركت هذه الشحنات من “بورتسودان” في رحلة إنسانية قاصدة ولايات كردفان ودارفور عبر طريق الدبة؛ فالحقيقة التي لا تحتمل “المواراة” هي أن الولاية الشمالية لم تكن يوماً مستودعاً لهذه المواد، بل كانت “معبراً” وحائط صد حال دون وصول هذا الخطر إلى مائدة الناس، حينما تسببت “نيران” الحرب وحصار الفاشر في قطع الطريق أمام شاحنات منظمة الغذاء العالمي.

​■ ولأن الشفافية لا تتجزأ، فإن تلك التعقيدات الأمنية هي التي أجبرت الشاحنات على “الارتداد” من تخوم كردفان والعودة القسرية إلى مدينة الدبة قبل نحو عام، وهناك حدث التخزين الاضطراري في ظروف قاسية تحت هجير الشمس وتقلبات المناخ التي لم تكن خياراً “بمزاج” الولاية، بل نتيجة لظروف أمنية واجهت المنظمة الدولية والشركة الناقلة بعيداً عن يد الأجهزة المحلية، فالمسؤولية هنا تقع على عاتق “المالك والناقل” وليس تقاعساً من أجهزة الرقابة التي ظلت ترصد حركة كل “جوال” في العراء.

​■ وبناءً على هذه المتابعة الدقيقة، فقد كانت أجهزة الولاية في الدبة “صاحية” وعينها ساهرة على هذه المواد (48.800 جوال دقيق) منذ لحظة تفريغها “الاضطراري” في مخازن الشركة الناقلة، وحينما طال أمد بقائها وتعرضت لعوامل التلف الطبيعي، تم رصدها باليوم والساعة، فحينما وصلت هذه الكميات إلى “دنقلا” مؤخراً، لم تصل لتُوزع في الأسواق كما حاول البعض “تحوير” الأمر بضرب من الخيال، بل وصلت بموجب قرار إبادة رسمي وتحت حراسة مشددة.

​■ ومن هنا، يصبح الحديث عن “إبادة الأشخاص” كبديل لإبادة السلع، مجرد عبارة براقة للاستهلاك وتدغدغ العواطف في “سوق” المزايدات، لكنها تغفل أن العدالة تقوم على تحديد المسؤوليات؛ فالولاية هنا في هذا المشهد هي “القاضي” وليست “المتهم”، وهي التي كشفت التلف ومنعت تسربه لمعدة المواطن؛ فمن حق الرأي العام أن يعرف أن أبواب الدولة لم تُغلق يوماً أمام باحث عن معلومة، فالوضوح هو اللغة الوحيدة التي نعامل بها المواطن بعيداً عن “الللف والدوران”.

​■ وفي ذات السياق، فإن الإشادة بدور الإعلام في “معركة الكرامة” ليست مجرد مجاملة، بل اعتراف بأن الكلمة الصادقة هي السند الحقيقي للوطن في وجه الشائعات والاتهامات “المرسلة” التي تفتقر للدليل المادي؛ فنحن في زمان لا يحتمل “التحريف”، فكل حرف يُكتب دون تثبت يساهم في إضعاف اللحمة الداخلية، ويزيد من وتيرة القلق في نفوس المواطنين الذين أنهكتهم تداعيات النزوح والظروف الراهنة القاسية التي “ما بترحَم” أحداً.

​■ لذا، فإن الحكومة في الولاية الشمالية لا تقف في موقف الدفاع عن خطأ لم ترتكبه، بل تقف “عين حمرا” ضد كل ما يهدد أمن المواطن الغذائي؛ وبسط الحقائق وتمليكها للرأي العام هو الرد الحاسم على كل من يحاول “لخبطة” الأوراق؛ فالرقابة ليست “فعلاً عابراً”، بل هي منظومة عمل مستمرة تلاحق الخلل منذ دخوله حدود الولاية كـ “ترانزيت”، وتبيد التلف قبل انتشاره السريع في الأسواق، صيانةً لسلامة إنسان السودان الصابر والمحتسب.

​■ ومما يعزز هذا الموقف، أن منظمة الغذاء العالمي كجهة دولية هي المسؤولة أصلاً عن تأمين وتخزين مقتنياتها، ولكن حين يدخل الأمر حدودنا تصبح الحكومة هي الحارس الأمين والرقيب المباشر، ومن هنا جاء التحرك السريع لفحص الشحنات وإصدار قرار الإبادة الفوري قبل أن يقع “الفأس في الرأس”؛ فهذا الإجراء الوقائي الذي تم في دنقلا هو نهاية المطاف لعملية رقابية بدأت منذ عام في الدبة، وهو الذي يستحق الثناء بدلاً من “قلب الحقائق” وتوجيه السهام جزافاً.

​■ وتبقى صيانة أمانة المواطن بضمير يقظ هي ديدن العمل، والشفافية تقتضي أن نقول للمحسن أحسنت وللمخطئ أخطأت دون “جودية” أو “باركوها” على حساب الصحة؛ والواقع يقول إن أجهزة الولاية كانت بالمرصاد لهذه الشحنة منذ لحظة تعثرها في السكة وحتى صدور قرار إبادتها؛ فالمزايدات السياسية لا مكان لها في ملفات تمس حياة الناس، والوثائق الرسمية الممهورة بالأختام تظل هي الفيصل الوحيد والقوي بين الحقيقة الناصعة والادعاء “الأجوف”.

​■ أخيراً، يبقى الرهان دائماً وأبداً على وعي المواطن السوداني وقدرته الفائقة على التمييز بين النقد البناء الذي يهدف للإصلاح، وبين “الضجيج” الإعلامي الذي يحاول صناعة أزمات من محض الخيال؛ فالأيام كفيلة بكشف الزيف، وتظل الحقيقة ناصعة كشمس “الشمالية” لا يغطيها “غربال” الشائعات، وستبقى هذه الولاية واحة للأمن الغذائي والرقابة الصارمة التي لا تهاون فيها ولا مساومة على حساب صحة الإنسان وأمانه.. أليس كذلك؟.

‫شاهد أيضًا‬

انتصار جديد للقوات المسلحة في محور النيل الأزرق

تمكنت قوات العمل الخاص بالفرقة الرابعة مشاة  أسود النيل الأزرق من تحقيق انتصار كبير على ال…