‫الرئيسية‬ مقالات الصحة في ميزان العِلم: استغاثة اهل السودان وضمير العالـم
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

الصحة في ميزان العِلم: استغاثة اهل السودان وضمير العالـم

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يحلّ يوم الصحة العالمي هذا العام في السابع من أبريل 2026، ليضع البشرية أمام مرآة مسؤوليتها الأخلاقية والعلمية. وبينما يتردد صدى شعار “معًا من أجل الصحة، ادعموا العلم” في أروقة المنظمات الدولية، يقف الواقع الصحي في مناطق النزاع، لا سيما في السودان، شاهدًا على فجوة سحيقة بين الطموح العلمي النبيل والواقع الإنساني المرير. إن العلم الذي نتحدث عنه اليوم ليس مجرد معادلات أو لقاحات، بل هو “حجر الزاوية” والبوصلة التي يجب أن تقودنا نحو العدالة والإنصاف، وهو ما يفرض علينا وقفة تأمل عميقة في كيفية تحويل “البيانات” إلى “أفعال” تنقذ الأرواح في أكثر بقاع الأرض هشاشة.

تؤكد الرؤية الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية أن العلم هو الأداة الوحيدة القادرة على فك شفرات الأمراض، وابتكار علاجات تجعل الرعاية الصحية أكثر كفاءة وأقل تكلفة. ولكن، في ظل الأزمات الراهنة، يتجاوز مفهوم “دعم العلم” حدود المختبرات؛ ليكون دعمًا لاتخاذ القرارات المبنية على الحقائق، وحمايةً للمجتمعات من مخاطر التغير المناخي والنزاعات.

إن الاستثمار المستدام في العلم يعني بالضرورة حماية العقول والأجساد التي تصنع هذا العلم وتطبيقه. وهنا تبرز المعضلة: كيف يمكن للعلم أن يزدهر أو يؤدي دوره بينما تتعرض المرافق الصحية والعاملون فيها لهجمات ممنهجة تقتلع جذور الاستقرار الصحي؟

لا يمكن الحديث عن يوم الصحة العالمي في عام 2026 دون الالتفات إلى المأساة الكبرى التي يعيشها السودان. فالبلاد اليوم ليست مجرد منطقة نزاع، بل هي مسرح لواحد من أخطر حالات الطوارئ الإنسانية في العالم المعاصر. الأرقام التي أوردتها التقارير الأممية تقشعر لها الأبدان، فنصف السكان (أكثر من 33 مليون إنسان) يحتاجون لمساعدات عاجلة لضمان بقائهم على قيد الحياة، 214 هجوماً موثقاً على المرافق الصحية منذ اندلاع الصراع، أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى، ففي الربع الأول من عام 2026 وحده، حصدت الهجمات أرواح المئات، ودمرت بنى تحتية حيوية مثل غرف الطوارئ والعمليات.

عندما يستهدف مستشفى “الجبلين التعليمي” أو تُدمر مستودعات الإمداد الطبي في “ربك”، فإننا لا نفقد جدرانًا وأجهزة فحسب، بل نفقد “الأمل” في تطبيق العلم لإنقاذ البشر. إن مقتل الكوادر الطبية، ومن بينهم مديرون طبيون وخبراء، هو اغتيال مباشر للعلم وتجفيف لمنابع الخبرة التي لا يمكن تعويضها بين ليلة وضحاها.

تحذيرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف واضحة ولا تقبل التأويل: النظام الصحي في السودان يقف على حافة الانهيار الكامل. إن تحول المستشفيات من ملاذات آمنة إلى أهداف عسكرية يمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية والقيم الإنسانية. في السودان، لم يعد السؤال هو “كيف نبتكر لقاحاً جديداً؟” بل “كيف نوصل حقنة منقذة للحياة تحت دوي المدافع؟”.

إن تجاهل المجتمع الدولي لما يحدث في السودان هو خيانة للمبادئ التي أُسس عليها يوم الصحة العالمي. فالسودان لا يستطيع، ولن يستطيع، مواجهة هذه الأزمة بمفرده. التضامن الدولي المطلوب اليوم ليس تضامناً شفهياً بالبيانات والمنشورات، بل هو “إجراء سياسي وإنساني حاسم” يوقف نزيف الكوادر الطبية ويحمي ما تبقى من بنية تحتية.

في يوم الصحة العالمي، نجدد الدعوة للوقوف بجانب العلماء والعاملين الصحيين الذين يجتهدون في أصعب الظروف. إن دعم العلم يعني بالضرورة توفير بيئة آمنة لممارسته.

“إن البيانات وحدها ليست كافية؛ نحن بحاجة إلى الثقة، والتعاون، وقبل كل شيء، الإرادة لترجمة المعرفة إلى عمل يحمي الضعفاء.”

يجب أن يكون عام 2026 هو العام الذي يستيقظ فيه ضمير العالم لإنقاذ السودان من كارثة صحية، ليس فقط من أجل الشعب السوداني، بل من أجل الحفاظ على قيمة “العلم” و”الإنسانية” في عالم يزداد اضطراباً. فإذا انهار النظام الصحي في أي بقعة بسبب الصمت الدولي، فإن العالم كله يصبح أقل أماناً وأكثر عرضة للأوبئة والخراب.

معاً من أجل الصحة.. وفعلاً من أجل السودان.

‫شاهد أيضًا‬

انتصار جديد للقوات المسلحة في محور النيل الأزرق

تمكنت قوات العمل الخاص بالفرقة الرابعة مشاة  أسود النيل الأزرق من تحقيق انتصار كبير على ال…