بين مطرقة التنظيم وسندان الجباية صغار التجار في مواجهة المحليات) ازالة خلال ٢٤ساعة)
واقع معاش اللازم السفير

في ظل الرماد الذي خلفته الحرب والنزوح الذي أعاد تشكيل الخارطة الاجتماعية والاقتصادية برزت في شوارعنا ملحمة صمود يومية أبطالها مواطنون فقدوا كل شيء إلا كرامة العمل هؤلاء الذين دفعوا دفعاً إلى أرصفة الشوارع ليس حباً في الفوضى بل هرباً من شبح الجوع وانتهاكات المليشيات في مناطق النزاع إلا أن المشهد لم يكتمل بفرحة الرزق الحلال إذ سرعان ما تحولت العلاقة بين هؤلاء التجار الصغار والجهات المحلية إلى ما يشبه حرب الاستنزاف
لم يعد السوق حكراً على التجار التقليديين فقد دخلت فئات جديدة إلى الحلبة تضم موظفين ومهنيين لم تعد رواتبهم الهزيلة قادرة على مواجهة نيران السوق أو سد الاحتياجات اليومية من إيجارات وعلاج وغيرها من مصائب الدهر التي تكالبت عليهم فاستبدلوا القلم بطبلية أو فرشة ليقتاتوا ومعهم نازحون فارون تركوا بيوتهم في الولايات المشتعلة وجاءوا بمدخراتهم البسيطة ليبدأوا من الصفر وهذه الفئات لا تتحمل بيروقراطية التراخيص أو قسوة الإزالات الفجائية إن عمليات الإزالة التي تتم دون مراعاة للتوقيت أو الظروف الحالية لا تضرب مخالفة قانونية فحسب بل تضرب آخر شريان حياة لأسرة سودانية متعففة أفقدتها الظروف كل سبل الأمان المادي
الأزمة الحقيقية تكمن في العقلية التي تدار بها المحليات فالناظر للسياسات الحالية يلحظ غياباً تاماً لروح القانون حيث ينصب التركيز على جانب الإيرادات وكم يدخل للخزنة بدلاً من حساب كم يخسر المواطن في رحلة كفاحه اليومي كما يغيب تماماً طرح الحلول البديلة أو الرؤية الواضحة التي تستوعب هذا الكم الهائل من العمالة الاضطرارية ويتم تنفيذ الإجراءات عبر حملات أمنية مشددة في وقت يعيش فيه المواطن تحت ضغط اقتصادي ونفسي هائل مما يولد شعوراً بالظلم والقهر ويفقد الثقة في المؤسسات التي يفترض أنها وجدت لخدمته وحمايته لا التضييق عليه في مصادر رزقه المحدودة
لقد نشأت داخل الأحياء السكنية أسواق صغيرة وفرت للمواطن احتياجاته الأساسية في ظل ظروف أمنية معقدة وهذه الأسواق ليست مجرد بقع تجارية بل هي مراكز صمود اجتماعي آمنة ومستقرة وإن مداهمة هذه المواقع يعكس عدم تفهم الحكومة المحلية لواقع أننا لسنا في وضع طبيعي ونحن لم نصل بعد إلى مرحلة الرفاهية أو المدنية المطلقة التي تستوجب تنفيذ إجراءات التنسيق الحضري الصارم بينما يصارع المواطن من أجل البقاء بسلام
إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تحتم على ولاية الخرطوم مراجعة سياسات المحليات فوراً والعمل على تقنين أوضاع هذه الأسواق الناشئة بدلاً من إغلاق مصادر الدخل دون وجهة واضحة فالعدالة ليست في تطبيق النص القانوني بجمود بل في مراعاة الظرف الإنساني القاهر الذي وضع الناس في هذا الموقف والحكومة التي تدرك أن الرواتب لا تغطي تكاليف العلاج أو أبسط مقومات الحياة عليها على الأقل أن تكف يدها عن ملاحقة من يحاول ستر حاله بعرقه فالحرب أكلت الأخضر واليابس ولم يتبق للمواطن سوى كرامة السعي ونبض الاستمرار في وجه عواصف الدهر التي لا ترحم
الوطن في حدقات العيون السودان ينادي… فهل من مجيب؟
نداء يخرج من بين ركام المدن، ومن أنين الأمهات، ومن دموع الأطفال الذين فقدوا الأمان قبل أن …





