‫الرئيسية‬ مقالات صيانة بلا محطات جديدة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

صيانة بلا محطات جديدة

وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي

أعلنت هيئة مياه ولاية الخرطوم مؤخرًا عن تأهيل شركات ومقاولين لتنفيذ أعمال تشغيل وصيانة البنية التحتية المائية، في خطوة تركز على استمرارية ضخ المياه عبر تمديد الخطوط، وصيانة الشبكات، وتوريد المولدات والطلبات، إلى جانب أعمال الحفر والدراسات الجيوفيزيائية، مع إجراءات واضحة للتأهيل تبدأ في 5 أبريل 2026.

يمثل هذا الإعلان خطوة إيجابية من زاوية الحفاظ على الخدمة، لكن في الوقت نفسه يكشف عن غياب رؤية استراتيجية للتوسع المائي. فالتركيز على الصيانة والمشتريات يحافظ على ما هو قائم، لكنه لا يواكب الطلب المتزايد في العاصمة، خاصة في ظل النمو السكاني المستمر وتآكل كفاءة المحطات القديمة، رغم وجود دراسات سابقة لأنشاء محطات جديدة.

محطات المياه في الخرطوم، في المجمل تعاني تداعيات الحرب، تواجه تحديات متراكمة: ضعف الإنتاجية، الاعتماد الكامل على الكهرباء العامة، والتوقف المتكرر عند انقطاعها، إلى جانب غياب الصيانة الدورية الفاعلة.

هذه العوامل مجتمعة جعلت هذه المحطات عاجزة عن تلبية الاحتياج الفعلي، لا سيما في أوقات الأزمات. وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في تجربة محطة المنارة، التي أُنشئت عام 2010 بتكلفة بلغت 106 ملايين دولار، نصفها منحة هولندية، وكانت تمثل آنذاك نقلة نوعية في إمداد المياه لمحليات كرري وأم درمان وأم بدة. غير أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة نموذجها التشغيلي، إذ تعتمد المحطة بشكل شبه كامل على الكهرباء، دون وجود بدائل فعالة كالمولدات الاحتياطية أو الطاقة الشمسية.

مع استهداف محطة كهرباء سد مروي، توقفت المنارة عن الضخ في أوقات سابقة، ما اضطر المواطنين للاعتماد على مياه البراميل بأسعار مرتفعة، إلى جانب المبادرات الطوعية. تعكس الأزمة خلل التخطيط.

تكشف هذه التجربة عن نمط قاصر في إدارة الخدمات، حيث يتم التعامل مع البنية التحتية بعقلية التشغيل اليومي، لا بمنطق الاستثمار طويل الأمد. وهو ما يعكس فجوة في النموذج التنموي نفسه، الذي لم يُصمم لامتصاص الصدمات أو التكيف مع بيئة متقلبة، كما هو الحال في ظل الحرب.

الإعلان الصادر عن الهيئة، رغم أهميته، يركز على الصيانة وتوفير المعدات الأساسية، لكنه لا يتضمن إشارات واضحة إلى إدخال تقنيات حديثة لمعالجة المياه أو إدارة الطاقة، وهي عناصر أساسية لتقليل التكاليف التشغيلية وتحقيق استدامة الخدمة. كما يغيب عنه التوجه نحو إنشاء محطات جديدة بقدرات إنتاجية أعلى، وهو ما يمثل الحل الأكثر فاعلية لتخفيف الضغط عن البنية الحالية. كما أنه يقابل الطلب المتزايد للخدمة.

في ظل الحرب، تزداد هذه الفجوة خطورة. فإدارة المياه لم تعد مسألة خدمية فحسب، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار والأمن وتعزيز الثقة في قدرة الدولة على إدارة مواردها. الاعتماد على مصادر طاقة غير مستقرة، أو على شبكة مركزية دون بدائل، يجعل الخدمة عرضة للتوقف عند أي طارئ أمني أو تقني، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأزمة لا تقل وضوحًا. ارتفاع أسعار مياه التناكر واحتمال تلوثها، ازدحام الشوارع، وتعطل الأنشطة التجارية والخدمية، كلها مؤشرات على أن الخلل لم يعد محصورًا في جانب فني، بل أصبح عبئًا يوميًا يثقل كاهل المواطنين. هذه التداعيات تطرح سؤالًا مشروعًا حول كفاءة إدارة الموارد، ومدى استعدادها لمواجهة الأزمات.

ما يبرز من هذا الواقع أن الصيانة، رغم ضرورتها، ليست سوى استجابة قصيرة المدى. أما المعالجة الحقيقية فتتطلب تخطيطًا استراتيجيًا يقوم على تحديد مناطق الطلب المرتفع لاسيما خلال موسم الصيف، وتقدير الاحتياجات المستقبلية، وتوزيع مصادر الإنتاج، إلى جانب إدخال الطاقة البديلة وتطوير أنظمة التشغيل والمراقبة. من دون هذه الرؤية، ستظل الجهود الحالية عرضة للتكرار عند كل أزمة كهربائية أو أمنية.

كما أن التنسيق بين الجهات المعنية يظل عاملًا مهما في هذا الملف، في ظل ظروف البلاد. فغياب التكامل بين التخطيط الخدمي والاعتبارات الأمنية يضعف قدرة الدولة على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

تكشف أزمة المياه في الخرطوم عن نقص في المورد بقدر ما تكشف عن حدود الطريقة التي يُدار بها. الحل يبدأ من إعادة تعريف إدارة المياه كقضية استراتيجية تُبنى على التوسع، وتعدد مصادر الطاقة، والاستعداد المسبق للأزمات. وحدها هذه المقاربة قادرة على تحويل المياه من خدمة مهددة بالانقطاع إلى حق مستقر لا يتأثر بتقلبات الحرب ولا أعطال الكهرباء.

بحسب #وجه_الحقيقة يعكس إعلان الهيئة إدراكًا لأهمية الاستمرارية التشغيلية، لكنه لا يرتقي إلى مستوى المعالجة الجذرية لأزمة المياه في الخرطوم. فالصيانة، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن التوسع المدروس والاستثمار في بنية تحتية أكثر مرونة واستدامة. ما تحتاجه العاصمة اليوم ليس فقط الحفاظ على ما تبقى، بل بناء ما يمكن أن يصمد أمام تحديات النمو. الصيانة قد تُبقي المياه جارية اليوم، لكنها وحدها لا تضمن ألا يتحول العطش إلى أزمة دائمة في الغد.

دمتم بخير وعافية.

الأربعاء 8 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

صحفي يتلقى تهديدا بعد نشر معلومات عن تغييرات حكومية

تعرض الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد لتهديد مبطن من شخصية أمنية وتنفيذية رفيعة تشغل موقعاً مهم…