مالم يسطرون” الفكر المؤسسي لبناء الدولة
حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

كل الحروب التي نواجهها والأزمات التي نكابدها ليست بنت اليوم، وإنما هي وليدة ما قبل 1 يناير 1956، حين اندلع أول تمرد قبيل الاستقلال بعام وانصرف الجميع ساعتئذٍ إلى قضايا أخرى، حَسِبَها البعض في حينها أنها وحدها المصيرية، وغفلوا عن بذرة التمرد التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. الأزمة لم تبدأ حين اندلع التمرد، بل حين لم يجلس الجميع للتوافق عبر ميثاق ليصنع الدستور ويبسط العدل الذي يوجد المصلحة المشتركة بعقلية مؤسسية من اليوم الأول.
فإن العدو الحالي لا يخترع العقبات. هو فقط يستثمر في الفراغ الذي تركه انعدام الفكر المؤسسي. يضرب في البنيان لأنه يعرف أن الأساس هش. للأسباب الآتية:
*أولاً: التشخيص – انعدام الفكر المؤسسي وأركانه الأربعة الغائبة*
إن الفكر المؤسسي هو عملية فيزيائية بحتة من حيث زوال الأثر بزوال المؤثر. فكما أن لكل فعل رد فعل، فإن بقاء الدولة مرهون ببقاء المؤثر ونوع الفعل الذي يحفظها. ولذا إذا أردنا استمرار الدولة فلا بد لنا من مؤثر مستمر، ولا يتأتى ذلك في الأفراد أو الجماعات، إنما المؤسسات وحدها هي المؤثر الذي لا ينتهي أثره حتى لو رحل صانعها. بل تبقى، ويُخلّد هو من أسسها في وجدان الأمة. وهي بناء ذو أربعة أركان، وكلها غابت عند الاستقلال:
*1. انعدام الوثيقة التي فوق الجميع “الدستور*”
خرج الإنجليز وتركونا بلا عقد اجتماعي مكتوب. حكمنا بـ”إعلان الاستقلال” و”الدستور الانتقالي” الذي ظل انتقالياً 68 سنة. كل حكومة تأتي تلغي ما قبلها. لا وثيقة مرجعية تحدد من هو المواطن، وما حقوقه، ومن يحتكر السلاح، وكيف يتم تداول السلطة.
_النتيجة:_ الدولة صارت شخصاً. تموت بموت الرئيس، وتنقلب بانقلاب الضابط. لأن “الدستور” كان هو الرئيس، لا الوثيقة.
*2. انعدام الميزان ” القانون” الذي يسبق القوي*
بعد الاستقلال ورثنا “الإدارات الأهلية” و”القانون العرفي” و”الجودية” كبديل عن القضاء. لم نبنِ محكمة دستورية عليا، ولم نفصل القضاء عن السياسة. القاضي يعينه الحاكم، والحاكم هو من يعزله.
_فكانت النتيجة:_ المواطن لا يثق أن حقه محفوظ. إذا ظُلم، يذهب للناظر أو يحمل السلاح. “الميزان” مكسور من 1956.
*3. انعدام الجيش الواحد “احتكار القوة”*
منذ الاستقلال سمحنا بـ”قوة موازية” تحت لافتة النظامية. بدأ بالحرس الجمهوري وحرس الحدود، ثم الدفاع الشعبي، ثم الدعم السريع. كل رئيس يصنع قوة بولاء شخصي له، بتجنيد وتسليح خارج قانون الجيش الوطني، لغياب دستور يحدد صلاحية الرئيس. فصارت الدولة فيها جيوش داخل الجيش. والسلاح إذا انقسم، قَسم البلد.
*4. انعدام المصلحة المشتركة “الاقتصاد العابر للقبيلة*”
بعد الاستقلال استمر الاقتصاد “ريعي مركزي”. مشروع الجزيرة، هجليج، بترول الجنوب. كلها ثروات تتحكم فيها الخرطوم وتوزعها. لم نبنِ “مصلحة مشتركة” تربط مصير الفرد ببقاء الدولة. لم نصنع سوقاً واحداً، ولا شبكة طرق، ولا نظاماً ضريبياً عادلاً، ولا تنمية ريف.
_فأصبح المواطن في الهامش لا يشعر أن انهيار الخرطوم يضره._ ولاؤه لقبيلته لأنها تطعمه، لا للدولة.
*ثانياً: كيف استثمر العدو في الفراغ المؤسسي؟*
العدو الحالي لا يقاتل دولة. بل يقاتل فراغاً نحن صنعناه. خطته هي استثمار دقيق في أربعة فراغات:
_لا دستور_ → يطرح “إدارات مدنية” و”مواثيق جديدة” ليملأ فراغ الشرعية.
_لا ميزان_ → يقول “القضاء كيزان” ويملأ فراغ العدالة بـ”المحاكم الميدانية”.
_لا جيش واحد_ → كل القوات الموازية تناوئ الجيش وتريد أن تكون هي المسيطرة. هي أصلاً قوات صنعها الفراغ المؤسسي.
_لا مصلحة مشتركة_ → يقطع الماء والكهرباء، وينسف الجسور، ويعطل المستشفيات ليقطع صلة المواطن بدولته. ويحرق دار الوثائق وينهب المتاحف ليطمس الهوية والتاريخ.
كل أزمة مرت على السودان من تمرد الجنوب، لدارفور، للنيل الأزرق، لما نحن فيه الآن، هي نسخة مكررة من نفس الفشل. بنينا نظام حكم لا نظام دولة. بنينا “رجلاً” لا “مؤسسة”. بنينا “ولاءً” لا “قانوناً”.
العدو لا يخلق الأزمة. الأزمة موجودة منذ 68 سنة. هو فقط يشعل النار في بيت من القش. واللوم ليس على من أشعل، بل على من بنى بالقش.
*ثالثاً: القطع الاستباقي – بناء الأركان الأربعة اليوم قبل الغد*
لا يمكن أن تهزم عدواً يفكك مؤسسات، وأنت لا تملك مؤسسات أصلاً. أي نصر عسكري اليوم بدون فكر مؤسسي، هو تأجيل للجولة القادمة فقط. القطع الاستباقي الحقيقي هو بناء الركن الناقص فوراً، في الحرب، قبل السلام:
*1. إعلان “الوثيقة الجامعة”*
إعلان دستوري دائم يحدد فترة الانتقال وكيفيته والخطوط الحمراء: “الدين”، “الوطن”، “الجيش”، والمواطنة. يحدد الحقوق والواجبات، ويجرم المليشيا. لا تنتظر السلام لتكتبه. اكتب المواثيق لتصنع السلام.
*2. إقامة “الميزان”*
العدل أساس الحكم. الشروع في قيام المحاكم الناجزة والنيابات النافذة بموجب القانون وفصل السلطات الثلاث. مفوضية انتخابات يعينها القضاء، ومحكمة دستورية تفصل في النزاع خلال 14 يوم. فتطبيق القانون هو ما يصنع السلام.
*3. توحيد “الحديد”*
دمج جميع القوات في الجيش حسب قانون القوات المسلحة. لا مستنفرين تحت إمرة ناظر. لا قوات حليفة. سلاح واحد، زي واحد، أمر واحد. ونص دستوري صريح: “القوات المسلحة لا تنحاز في التداول السياسي”. وإلا فأنت تصنع دعماً سريعاً جديداً سينقلب عليك بعد 10 سنين.
*4. بناء “المصلحة المشتركة”*
تدوير عجلة الاقتصاد بتشغيل ميناء، وتشغيل مصنع، وصرف مرتب في ولاية واحدة، ثم عمم. اربط مصير مجموعة من الناس ببقاء دولتك. خدمة مدنية محايدة لا تُفصل بسقوط الحزب. لا تعدهم بالتنمية بعد الحرب. أعطهم تنمية لينهوا الحرب.
*5. ضمان “تداول السلطة عدل” | ثمرة الأركان الأربعة*
تداول السلطة لا يصبح عدلاً إلا باجتماع الأركان السابقة:
_أ/. الدستور يحدد المدة والخروج:_ فترتان كحد أقصى، وآلية عزل مكتوبة قبل أن نعرف الرئيس.
_ب/. الميزان يراقب اللعبة:_ مفوضية مستقلة ومحكمة دستورية حكمها نافذ على الجيش قبل المواطن.
_ج./ الجيش يحرس الصندوق لا يملكه:_ تجريم تدخل الضباط في السياسة، وتسليم السلطة عبر المؤسسة لا الأشخاص.
_د./ الخاسر لا يخسر كل شيء:_ الوظيفة لا تتبع الولاء، والرئيس السابق يذهب لبيته لا للسجن إلا بحكم قضائي. حتى لا يقاتل حتى الموت.
إذا كان الخاسر يخسر داره وماله وحريته، فلن يسلم السلطة إلا بالدم. تداول السلطة العادل ليس صندوق اقتراع فقط. هو معادلة: دستور فوق الجميع + ميزان لا يُشترى + جيش لا يحكم + مصلحة لا تزول بخسارة الانتخابات.
السلاح خارج المؤسسة العسكرية هو أكبر خطر على مستقبل البلاد، والعدو يريد ذلك. لذلك هو لا يقتال الرجال،بل يدمر المؤسسات. ونحن سهلنا عليه المهمة، لأننا لم نبنها من 1956.
وبما أن هذه الحرب في مجملها وجودية، لا يهزمها الأفراد ولا الجماعات. إنما يهزمها الفكر المؤسسي وحده. فالرجال يذهبون، وتبقى الدولة راسخة العماد.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
السبت /11/أبريل/ 2026
السودان بين هشاشة الانتقال وصراع الرؤى: لماذا تعثر المسار الديمقراطي؟
منذ استقلال السودان عام 1956، ظل المسار السياسي يتأرجح بين محاولات ديمقراطية قصيرة العمر و…





