‫الرئيسية‬ مقالات الإضراب عن العمل رؤية شرعية
مقالات - ‫‫‫‏‫20 ساعة مضت‬

الإضراب عن العمل رؤية شرعية

مضمار_الحقائق د. موسى آدم عثمان الفولاني

شهدت المجتمعات المعاصرة ظهور العديد من الوسائل المدنية للمطالبة بالحقوق المهنية والاقتصادية، ومن أبرزها الإضراب عن العمل الذي أصبح أداة ضغط تستخدمها النقابات والموظفون لتحقيق مطالبهم. وقد انتشرت هذه الظاهرة في المؤسسات التعليمية والقطاعات الحكومية والخاصة في مختلف دول العالم، بما في ذلك الدول العربية والإفريقية. ومع اتساع نطاق هذه الممارسة، يبرز تساؤل مهم في إطار الفقه الإسلامي وأصوله حول حكم الإضراب عن العمل ومدى مشروعيته شرعًا، خاصة في ظل ما قد يترتب عليه من تعطيل المصالح العامة أو تحقيق العدالة المهنية.

 

لذلك يهدف هذا المقال إلى تأصيل مسألة الإضراب في ضوء الشريعة الإسلامية، مع عرض آراء العلماء المؤيدين والمعارضين وأدلتهم، وتحليلها وفق مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. فمفهوم الإضراب هو امتناع جماعي مؤقت ومنظم عن أداء العمل من قبل العمال أو الموظفين بهدف الضغط على جهة العمل لتحقيق مطالب مهنية أو اقتصادية أو إدارية. ويتسم الإضراب بالامتناع المؤقت عن العمل، كونه عملاً جماعياً غالباً، هدفه الضغط لتحقيق مطالب محددة وعودة العمل بعد الاستجابة للمطالب أو التفاوض.

تختلف أسباب الإضرابات حسب البيئات المهنية والسياسية، ومن أبرزها الأسباب الاقتصادية والتي تتمثل في انخفاض الأجور وعدم تناسبها مع تكاليف المعيشة، تأخر صرف المرتبات وضعف الحوافز والترقيات. كذلك الأسباب المهنية والإدارية كسوء بيئة العمل، غياب العدالة الوظيفية والتمييز بين الموظفين.من الأسباب أيضاً الأسباب الحقوقية كانتهاك حقوق الموظفين وعدم تنفيذ الاتفاقات أو العقود. قد تؤدي الإضرابات إلى نتائج إيجابية أو سلبية بحسب طبيعة إدارتها والظروف المحيطة بها. ومن النتائج الإيجابية تحسين الأجور والامتيازات، إصلاح السياسات الإدارية وتعزيز العدالة المهنية. أما النتائج السلبية تتمثل في تعطيل الخدمات العامة، الإضرار بالمستفيدين من الخدمة وتوتر العلاقة بين العاملين والإدارة.

لم يعرف الفقه الإسلامي مصطلح الإضراب بصيغته الحديثة، لكنه ناقش مسائل قريبة منه مثل: الامتناع عن العمل، الامتناع عن أداء الواجب، المطالبة بالحقوق. وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكمه إلى اتجاهين رئيسيين. يرى بعض العلماء عدم جواز الإضراب خاصة في الوظائف العامة. وقد استدل الفقهاء المانعين للإضراب استناداً إلى القواعد الفقهية التالية: أولاً: وجوب الوفاء بالعقود، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (سورة المائدة: 1)، ويستدلون بأن عقد العمل يلزم الموظف بأداء العمل مقابل الأجر. ثانياً: تحريم الإضرار بالآخرين، قال النبي ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار” رواه مالك في الموطأ (حديث مرسل) ورواه ابن ماجه (2340) والدارقطني. ويقول المانعون إن الإضراب قد يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس والإضرار بهم. ثالثاً: قاعدة طاعة ولي الأمر، قال النبي ﷺ: “السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره” رواه البخاري (7144) ومسلم (1839). ويرى بعض الفقهاء أن الإضراب قد يدخل في مخالفة الأنظمة الإدارية للدولة. وقد أفتي الشيخ البروفيسور محمد علي فركوس قائلاً: “فالإضرابات بمختلف أنواعها من أساليب النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر سيادته المطلقة، وتعد الإضرابات في عرف الديمقراطيين على الأوضاع القائمة ظاهرة صحة، يصحح بها الوضع السياسي أو الاجتماعي أو المهني من السيئ إلى الحسن، أو من الحسن إلى الأحسن، أما المنظور الشرعي للنظم الديمقراطية بمختلف أساليبها فهي معدودة من أحد صور الشرك في التشريع، حيث تقوم هذه النظم بإلغاء سيادة الخالق سبحانه وحقه في التشريع المطلق لتجعله من حقوق المخلوقين، وهذا المنهج سارت عليه العلمانية الحديثة في فصل الدين عن الدولة والحياة، والتي نقلت مصدرية الأحكام والتشريعات إلى الأمة بلا سلطان عليها ولا رقابة والله المستعان. وهذا بخلاف سلطة الأمة في الإسلام فإن السيادة فيها للشرع، وليس للأمة أن تشرع شيئًا من الدين لم يأذن به الله تعالى، قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: 21). وعليه، فإن الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وسائر أساليب الديمقراطية هي من عادات الكفار وطرق تعاملهم مع حكوماتهم، وليست من الدين الإسلامي في شيء، وليس من أعمال أهل الإيمان المطالبة بالحقوق ولو كانت مشروعة بسلوك طريق ترك العمل ونشر الفوضى وتأييدها وإثارة الفتن والطعن في أعراض غير المشاركين فيها وغيرها مما ترفضه النصوص الشرعية ويأباه خلق المسلم تربيةً ومنهجًا وسلوكًا، وإنما يتوصل إلى الحقوق المطلوبة بالطرق المشروعة، وذلك بمراجعة المسؤولين وولاة الأمر، فإن تحققت المطالب فذلك من فضل الله سبحانه، وإن كانت الأخرى وجب الصبر والاحتساب والمطالبة من جديد حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين, ……..الخ.

وقد أفتى فضيلة الشيح محمد السعدي ” العدني” قائلاً: “وهذا الاضراب لادليل على جوازه لا من كتاب الله ولا من سنة نبيه، وليس من عمل السلف الصالح ولا ممن يجيزه أئمة الدين. يزعمون ان بالاضراب سيزيلون الضرر الواقع عليهم، فيقولون ان رواتبهم لا تكفيهم ولا تكفي اولادهم مع انهيار العمله وارتفاع الاسعار، وهذا لاشك انه ضرر على المعلمين والمعلمات. ولكن هذا الضرر يزال وازالته واجبة على الدوله وعلى الحكومة والوزارة، لكن يا معشر المعلمين هناك قاعدة فقهية تقول ” الضرر لايزال بضرر أكبر منه”، فإزالة الضرر بالاضراب فيه ضرر أكبر وهو اغلاق المدارس والامتناع عن تعليم الطلاب وتعليم الجيل وتعليم النشئ، فتضيع أعمارهم واوقاتهم وربما أدى بهم الى امور لا تحمد عقباها. فأنت أمام خياربن: الاول: ان تترك الوظيفه, فأنت حر ولست عبدا للدوله ولا للحكومه ولا للوزارة. والخيار الثاني: وهو ان تصبر على هذه الوظيفه، وتعلم الطلاب حتى يفرج الله، والصبر مثل اسمه. مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل”. كذلك سُئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى –عن الإضراب عن العمل فأجاب: “هذا السؤال لا شك أن له خطورته بالنسبة لتوجيه الشباب المسلم وذلك أن قضية الإضراب عن العمل سواء كان هذا العمل خاصا، أو بالمجال الحكومي، لا أ فعلم له أصلا من الشريعة يُبنى عليه”. المصدر: كتاب : [فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ص 175].

نقلاً عن جريدة اليوم السابع، قال الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، إن الإضراب أمر لا يقره عقل ولا شرع بأى حال من الأحوال، ومن حق المسلم أن يطالب بحقه بأشياء مشروعة، مضيفا أن الطبيب والمعلم والإمام لا يحق لهم الامتناع عن أداء رسالتهم المكلفون بها، فما ذنب المريض إذا أضرب الطبيب، وما ذنب التلميذ إذا أضرب المعلم، مطالبا الشعب المصرى بجميع طوائفه أن يتمهل ويترك الفرصة للقيادة الجديدة. وأضاف الأطرش أن الذى يضرب عن أداء رسالته بهذه الصورة التى ربما يترتب على إضرابه الإضرار بمصالح الناس، هو بعيد عن تعاليم الإسلام، قائلا: “طالبوا بحقوقكم ولكن بطريقة مشروعة بعيدة عن الإضرار بمصالح المسلمين، فالإسلام بنى على قاعدتين إسلاميتين، وهى لا ضرر ولا ضرار”.

أما القول بجواز الإضراب فمقيد بشروط، يرى فريق من العلماء المعاصرين جواز الإضراب باعتباره وسيلة سلمية للمطالبة بالحقوق. وقد استدل المجوزين أنه يلزم رفع الظلم، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾

(النساء: 148). ويستدلون بأن المظلوم يجوز له المطالبة بحقه. أيضا استدلوا بقاعدة وجوب إعطاء العامل حقه، قال النبي ﷺ: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”، رواه ابن ماجه (2443) وحسنه الألباني. فإذا لم يُعطَ العامل حقه، جاز له السعي للمطالبة به. كذلك من القواعد الفقهية، قاعدة دفع الظلم و الضرر يزال وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا كان الإضراب وسيلة لإزالة الظلم فقد يكون جائزًا. أفتى بعض المجوزين “فلا مانع من أن يقوم العمال أو الموظفون بإضراب حتى يحسن وضعهم، والإضراب وسيلة فيأخذ حكم المقصد الذي من أجله فعل، فإن فعل لتحصيل أمر واجب فله حكمه، وإن فعل لتحصيل أمر محرم فالإضراب محرم، ومثله بقية الوسائل من نحو المسيرات والمظاهرات”، مصدر الفتوى موقع إسلام ويب. إذا كانت الأنظمة القانونية تسمح بالإضراب ضمن ضوابط محددة، فإن العمل بها جائز من حيث الأصل؛ لأن: الأصل في المعاملات الإباحة. ولأنها تدخل ضمن تنظيم المصالح العامة. لكن يشترط عدم الإضرار بالمصلحة العامة وعدم تعطيل الضروريات. إذا كان الإضراب معترفاً به قانونياً ومقرراً في اللوائح التنظيمية، فإنه يعد وسيلة نظامية للمطالبة بالحقوق، بشرط عدم الإضرار بالمجتمع، الالتزام بالقوانين المنظمة وعدم تعطيل الخدمات الأساسية.

إذا ثبت أن جهة العمل أخلّت بالحقوق أو تأخرت في الوفاء بها، فقد يعد ذلك ظلماً. قال النبي ﷺ: “مطل الغني ظلم”، رواه البخاري (2400) ومسلم (1564). وفي هذه الحالة يمكن اللجوء إلى وسائل مشروعة للمطالبة بالحقوق، لكن مع مراعاة عدم الإضرار بالمصلحة العامة.

يتبين من خلال البحث في المسألة أن الإضراب عن العمل مسألة فقهية معاصرة لم يرد نص صريح بشأنها في الفقه القديم، ولذلك اجتهد العلماء المعاصرون في حكمها. وكل ما أدى إلى تعطيل مصالح الناس أو الإضرار بالمجتمع يكون غير جائز. وبذلك يظهر أن الشريعة الإسلامية توازن بين حفظ الحقوق الفردية والمصلحة العامة وفق مقاصدها الكلية في تحقيق العدل ورفع الظلم.

قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية، بجواز الاعتصامات والتظاهر بشرط ألا تتضمن شعارات أو ألفاظاً يحرمها الشرع، فالجواز للإضراب مشروط بعدة شروط ومضبوط بعدة ضوابط، منها ألا يكون موضوعها المطالبة بتحقق أمر منكر لا يجيزه الشرع، وألا تتضمن شعارات أو ألفاظا يحرمها الشرع، وألا تتضمن أمورًا محرمة من نحو إذاية الخلق أو الاعتداء على ممتلكات الناس أو الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء. في المقابل قال علماء دين من الأزهر الشريف ومن أعضاء مجمع البحوث الإسلامية إن ما يقوم به المدرسون من إضرابات واعتصامات هو عمل ضد الإسلام، وأنهم فى حكم المحاربين لله ولرسوله وللمؤمنين، منتقدين الإضرابات التى تشهدها البلاد حاليا، سواء كانت من المعلمين أو من الأطباء أو الأئمة أو غيرهم، واصفين الإضراب عن العمل أيضا بأنه عمل بعيد عن تعاليم الإسلام، وأنهم يدخلون فى حكم الذين يسعون فى الأرض فساداً، (المصدر: جريدة اليوم السابع).

تتأرجح أقوال الفريقين وتتفق حول القاعدة الفقهية “لا ضرر ولا ضرار” بحيث لا يترتب على الإضراب مفاسد على المصالح العامة للمجتمع ولا يؤدي إلى الإضرار بالأخرين كموت المرضى نتيجة إضراب الأطباء وتعطيل الدراسة وحرمان الطلاب وتعطل المصالح العامة، فمتى تحقق الضرر والمفسدة انتفى القول بالجواز وصار الفعل حراماً وما تؤكده الأحكام الشرعية والفتاوى أن الإضراب تجوزه وتسنه القوانين الوضعية المدنية ومما يتعارض مع وسائل المطالبة بالحقوق وقد فصلت الفتاوى ذلك. نسأل الله أن يصلح الراعي والرعية وأن يجنب بلادنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يقيم دولة العدل التي لا يظلم فيها أحد.

 

ولنا لقاء إن شاء الله،،، ،،

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

ولاية الخرطوم  وزارة التخطيط العمرانى صندوق الإسكان والتعمير

بسم الله الرحمن الرحيم ولاية الخرطوم وزارة التخطيط العمرانى صندوق الإسكان والتعمير   …