‫الرئيسية‬ مقالات مدنية الدولة في السودان… الطريق الشاق بين الحسم العسكري وبناء السلام المستدام
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

مدنية الدولة في السودان… الطريق الشاق بين الحسم العسكري وبناء السلام المستدام

حديث الساعة إلهام سالم منصور

في ظل التعقيدات المتشابكة التي يعيشها السودان اليوم، يصبح الحديث عن مدنية الدولة حديثاً عن مشروع طويل النفس، لا يُبنى بالشعارات ولا يُفرض بالقفز على الواقع، بل يتأسس على معالجة جذرية للأزمة الأمنية والسياسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب. فالدولة المدنية ليست محطة البداية، بل هي ثمرة لمرحلة انتقالية تُدار بحكمة، تبدأ أولاً بإعادة ضبط ميزان القوة داخل الدولة، واستعادة احتكارها المشروع للسلاح.

إن المشهد الراهن يفرض حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن المؤسسة العسكرية تتحمل مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة، ليس فقط في دحر التمرد، بل في تأمين البلاد ومنع انزلاقها نحو الفوضى الشاملة. فالحسم العسكري المنضبط، الذي يراعي القانون ويحفظ مؤسسات الدولة، هو الذي يفتح الباب أمام أي تحول مدني حقيقي. أما القفز مباشرة نحو المدنية دون تفكيك أدوات الفوضى، فهو بمثابة بناء على أرض رخوة سرعان ما تنهار.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز ملف الذين سلموا أنفسهم من عناصر وقيادات الدعم السريع كواحد من أخطر وأعقد الملفات. فالتعامل معهم لا يمكن أن يكون عاطفياً أو سياسياً آنياً، بل يجب أن يتم وفق رؤية استراتيجية دقيقة توازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الاستقرار المجتمعي. وهنا يأتي دور برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، ليس كإجراء إداري، بل كمشروع وطني متكامل.

لكن نجاح هذا البرنامج في السودان تحديداً يواجه تحديات استثنائية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمقاتلين يحملون السلاح، بل بأفراد ارتبطت أسماؤهم، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، بمآسٍ عميقة من نزوح ولجوء وفقدان للأرواح والممتلكات. لذلك، فإن أي محاولة لدمجهم في المجتمع دون معالجة نفسية واجتماعية حقيقية، ودون إطار واضح للعدالة والمحاسبة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفتح أبواباً لفتن جديدة.

إن المواطن السوداني اليوم ليس فقط متضرراً مادياً، بل مثقل بجراح نفسية عميقة، تحتاج إلى برامج دعم وتأهيل، وإلى خطاب وطني صادق يعترف بالمعاناة ولا يتجاهلها. فكيف يمكن لأم فقدت أبناءها، أو لأسرة شُردت من ديارها، أن تتقبل عودة من كان سبباً في مأساتها؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بقرارات إدارية، بل يتطلب مشروع عدالة انتقالية حقيقي، يحقق الإنصاف ويؤسس لمصالحة قائمة على الحقيقة، لا على النسيان القسري.

ومن هنا، تصبح العدالة شرطاً أساسياً لأي استقرار. فلا يمكن بناء دولة مدنية قوية دون محاسبة عادلة تُعيد الحقوق لأصحابها، وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب. وفي ذات الوقت، يجب أن تكون هذه العدالة جزءاً من رؤية متكاملة تمنع الانتقام، وتفتح الطريق أمام التعايش المستقبلي.

أما على المستوى الأمني، فإن من الضروري اتخاذ إجراءات صارمة وواضحة تجاه الذين سلموا أنفسهم، تبدأ بجمع السلاح بشكل كامل، وتنتهي بإبعادهم عن المدن ومناطق الاحتكاك، ووضعهم في معسكرات أو مناطق محددة تحت رقابة أمنية مشددة. فوجود عناصر مسلحة أو حتى شبه منظمة داخل المدن يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار المجتمع، ويُبقي حالة الخوف قائمة في نفوس المواطنين.

إن التجربة السودانية، وخاصة ما حدث مع الدعم السريع، تُحذر بوضوح من خطورة التهاون في مثل هذه الملفات. فإعادة إنتاج قوى موازية أو السماح بوجود تشكيلات غير منضبطة، حتى وإن كانت تحت مسميات مختلفة، قد يقود إلى تكرار نفس السيناريو الكارثي الذي دفع السودان ثمنه غالياً.

وفي خضم كل ذلك، لا بد من التأكيد أن مدنية الدولة لا تعني إقصاء المؤسسة العسكرية، بل إعادة تعريف دورها في إطار الدولة الحديثة. فالمؤسسة العسكرية القوية والمنضبطة هي إحدى ركائز الدولة المدنية، حين تلتزم بحدود دورها في حماية الوطن، وتفسح المجال للمؤسسات المدنية لإدارة الشأن السياسي والاقتصادي.

كما أن بناء الدولة المدنية يتطلب إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات الحكم، وإصلاح الخطاب الإعلامي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية النسيج الاجتماعي الذي تضرر بشدة خلال الحرب. فالسودان ليس مجرد جغرافيا، بل هو مجتمع متعدد يحتاج إلى مشروع جامع يُعيد الثقة بين مكوناته.

ختاماً، فإن الطريق نحو مدنية الدولة في السودان ليس سهلاً ولا سريعاً، بل هو مسار مليء بالتحديات، يتطلب توازناً دقيقاً بين الحسم والرحمة، بين الأمن والعدالة، وبين الواقع والطموح. وإذا أُحسن إدارة هذه المرحلة، يمكن للسودان أن يخرج من محنته أكثر قوة وتماسكاً، ويؤسس لدولة لا تُحكم بالسلاح، بل تُبنى بإرادة شعبها وعدالة مؤسساتها.

الاحد ٢٦ابريل٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

السكري والحرب

نسبة مخيفة وصل اليها معدل الاصابة بالسكري في السودان وإن النسبة وصلت الي إثني عشر بالمائة …