صحافة المستقبل: حين تعانق خوارزميات الذكاء الاصطناعي مهنية “الأهرام”
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

في قلب القاهرة، وتحديداً بين جدران مؤسسة “الأهرام” العريقة، التي شهدت على مدار قرن ونصف تطور الكلمة المكتوبة، انطلقت يوم الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٦ رحلة جديدة نحو المستقبل. لم تكن مجرد افتتاح دورة تدريبية، بل كانت إعلاناً صريحاً عن دخول الصحافة السودانية والمصرية عصراً جديداً، حيث لا مكان فيه للتراجع أمام الطوفان الرقمي، بل القيادة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي وصحافة الموبايل.
تأتي هذه الدورة المتقدمة ثمرة شراكة استراتيجية وتدريبية ذكية جمعت بين “جمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب والكوارث”، و”مركز عنقرة للخدمات الصحفية”، و”الاتحاد العام للصحفيين السودانيين”، بالتعاون مع المركز الإقليمي للتدريب بمؤسسة الأهرام. هذا التحالف الرباعي يعكس إدراكاً عميقاً لضرورة تضافر الجهود المؤسسية لردم الفجوة التقنية التي قد تفرضها الظروف الراهنة، خاصة بالنسبة للإعلاميين السودانيين الذين يواجهون تحديات استثنائية تتطلب أدوات استثنائية.
بصفتي مشاركاً في هذه الفعالية، لمست منذ اللحظات الأولى حجم الشغف والتطلع لدى الزملاء الصحفيين من مصر والسودان. إن التواجد في قاعات الأهرام بحد ذاته يمنحك شعوراً بالمسؤولية التاريخية، لكن المحتوى التقني المطروح هذه المرة نقلنا من “عبق الماضي” إلى “آفاق المستقبل”.
لقد تجاوزت الدورة في جلستها الافتتاحية التنظير التقليدي، يضعنا أمام تساؤلات جوهرية: كيف يمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تصبح “مساعداً ذكياً” للصحفي بدلاً من أن تكون بديلاً عنه؟ وكيف يمكن لهذا الجهاز الصغير في جيوبنا (الموبايل) أن يتحول إلى استديو متكامل لإنتاج المحتوى عالي الجودة الذي ينافس كبريات القنوات الفضائية؟
تركز الدورة على محاور حيوية تجعل من الصحفي “مؤسسة قائمة بذاتها” بإنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعي من صياغة العناوين الجذابة إلى تحليل البيانات الضخمة وتوليد الوسائط المتعددة بضغطة زر، والتمكن من صحافة الموبايل (MoJo) لإتقان التصوير، المونتاج، والبث المباشر بأعلى المعايير المهنية باستخدام أقل المعدات تكلفة، والتحدث عن أخلاقيات المهنة في العصر الرقمي، وهو المحور الأهم، لضمان ألا تطغى الآلة على المعايير الأخلاقية والمصداقية التي هي جوهر عملنا.
كان لافتاً ومقدراً حضور “جمعية إسناد” كشريك أساسي، وهو ما يؤكد أن دعم السودانيين المتأثرين بالحرب لا يقتصر على الجوانب الإغاثية فحسب، بل يمتد ليشمل “إسناد الوعي” وتطوير القدرات المهنية. فالإعلام القوي والمواكب هو القادر على نقل واقع السودان وتحدياته بمهنية، وهو القادر على المساهمة في مسارات التعافي وإعادة البناء عبر المعرفة.
إن الرعاية الكريمة من السفير المصري لدى السودان لهذا البرنامج، والترحيب الحار من قيادات مؤسسة الأهرام، يبعثان برسالة مفادها أن التكامل الإعلامي بين وادي النيل هو حجر الزاوية لمواجهة تحديات العصر الرقمي.
نحن اليوم لا نتدرب فقط على برمجيات جديدة، بل نشحذ عقولنا لصياغة خطاب إعلامي مسؤول، واعٍ، ومسلح بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا البشرية. إنها خطوة جبارة في طريق الألف ميل نحو إعلام سوداني ومصري لا يكتفي بملاحقة الخبر، بل يصنعه بأدوات المستقبل.
27 ابريل 2026
الماء حينما يصبح سياسة حياة
في مدينة بورتسودان التي أنهكها الظمأ، واشتدت عليها أوجاع الحرب والنزوح، لم يكن الماء مجرد …





