‫الرئيسية‬ مقالات غراس الأمان في أرض الشتات: خارطة طريق نفسية لتعزيز التواصل مع أطفالنا
مقالات - ‫‫‫‏‫42 دقيقة مضت‬

غراس الأمان في أرض الشتات: خارطة طريق نفسية لتعزيز التواصل مع أطفالنا

أجيال النيل د.سهام موسى مصر

بصفتي باحثة في الإرشاد الأسري والقانوني، وأخصائية تلامس يومياً أوجاع النفس البشرية، أجد نفسي اليوم مدفوعة بمسؤولية أخلاقية ومهنية للحديث عن فئة غالية من أطفالنا؛ أولئك الذين حملوا معهم حقائب صغيرة مثقلة بذكريات الحرب في السودان، ليجدوا في مصر ملاذاً آمناً. إن هؤلاء الأطفال لا يحتاجون اليوم إلى المأكل والملبس والمدرسة فحسب، بل يحتاجون إلى ما هو أعمق وأبقى: يحتاجون إلى “الحضور الوالدي الواعي” الذي يعيد ترميم ما هدمته أصوات المدافع وقلق الرحيل.

إن تجربة اللجوء والنزوح القسري تترك ندوباً غير مرئية في وجدان الطفل، حيث يفقد شعوره بالاستقرار والانتماء المكاني. هنا، تبرز أهمية تحويل العلاقة الوالدية من مجرد رعاية “بيولوجية” إلى “علاقة علاجية” ترميمية. إن تواجدنا في حياة أطفالنا في هذه المرحلة الانتقالية ليس ترفاً، بل هو “حائط الصد” الأول ضد اضطرابات ما بعد الصدمة، وصمام الأمان الذي يمنع انحراف السلوك أو الانعزال النفسي.

ولكي ننتقل من التنظير إلى التطبيق، واستناداً إلى أسس علم النفس التربوي، يمكننا استثمار أنشطة بسيطة في ظاهرها، لكنها عظيمة في أثرها النفسي والقانوني (من حيث حماية حقوق الطفل في بيئة سوية)، ومنها القراءة كجسر للبوح (الاستماع النشط)

إن وقت القراءة قبل النوم ليس مجرد سرد لقصص خيالية، بل هو فرصة ذهبية لفتح قنوات الحوار. في ظروف الحرب، قد يجد الطفل صعوبة في التعبير عن مخاوفه مباشرة، لكنه يستطيع إسقاطها على أبطال القصص. عندما نناقش معهم نهايات الحكايات ونستمع لآرائهم، نحن نمنحهم “صوتاً” صودر منهم خلال فوضى النزوح، مما يعزز ثقتهم بأن رأيهم مسموع ومقدر.

الحرف اليدوية وبناء الهوية (تفريغ الانفعالات) مثل الرسم، التلوين، والأعمال اليدوية هي أدوات “تفريغ انفعالي” بامتياز. انخراط الوالدين مع أطفالهم في صنع شيء من العدم يعزز لدى الطفل الشعور بالسيطرة والقدرة على الإنجاز، وهو شعور يفتقده الطفل الذي فقد منزله وألعابه. إن العمل اليدوي المشترك يقلل من هرمونات التوتر ويوثق الرابطة العاطفية عبر لغة الجمال والإبداع.

التنزه واستعادة الأمان المكان، فإن الخروج إلى الحدائق والأماكن المفتوحة في مصر يساعد الطفل على التصالح مع بيئته الجديدة. هذا النوع من التواصل الحركي في الطبيعة يكسر حدة الاكتئاب والقلق، ويمنح الأسرة مساحة من “الزمن النوعي” بعيداً عن ضغوط الأخبار والالتزامات المادية، مما يرسخ فكرة أن “الأمان ليس جدراناً، بل هو حضن الوالدين وأنسهم”.

ثم استكشاف المهارات كاستثمار للمستقبل، تعلم لغة جديدة، أو زراعة نبات في بلكونة المنزل، أو حتى صنع الخبائز سوياً، هي رسائل ضمنية للطفل بأن الحياة مستمرة، وأننا رغم التحديات قادرون على التطور. هذه الأنشطة تنمي الفضول المعرفي وتحمي الطفل من الشعور بالدونية أو اليأس، وتجعله ينظر للمستقبل بعين التفاؤل بدلاً من التوجس.

والعب التفاعلي وترميم الثقة، فألعاب الذكاء (كالبازل) والألعاب الحركية ليست مجرد تسلية؛ إنها تدريبات عملية على حل المشكلات، والتعاون، وتقبل الخسارة، والنجاح. عندما يلعب الأب أو الأم مع الطفل، فإنهما ينزلان إلى مستواه الإدراكي، مما يزيل الحواجز ويجعل الطفل أكثر انفتاحاً على تقبل القيم الأخلاقية مثل الصدق والأمانة والإتقان التي نسعى لغرسها.

ختاماً… إن أطفالنا في مصر، القادمين من رحم المعاناة في السودان، هم أمانة قانونية ومسؤولية نفسية. إن الاستثمار في “الوقت النوعي” معهم هو أعظم استثمار لمستقبلهم. نحن لا نلعب معهم لنزجي الوقت، بل لنخبرهم دون كلام: “نحن هنا، أنتم بخير، ونحن معاً سنبني عالماً جديداً”. إن تحسين تواجدنا في حياتهم هو بوابتهم الوحيدة للتعافي والاندماج، وهو واجبنا الذي لا يقبل التأجيل.

‫شاهد أيضًا‬

شراكة مرتقبة بين غرب كردفان و”زادنا” لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار

ناقش والي غرب كردفان، اللواء ركن “م” حقوقي محمد آدم محمد جايد، اليوم بالخرطوم …