الحرب والسلام (4_10)
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

السلام طريقة مشي لا وصف طريق
بعد أن رأينا كيف تتشكل الدوامة من تغافل صغير إلى تيار جارف، نصل إلى الخطأ الأكبر الذي نقع فيه جميعًا: نظن أن السلام “وصف طريق” اوخارطة نرسمھا على الاوراق ، بينما هو في الحقيقة “طريقة مشي” نختبرها بأقدامنا كل يوم.
_أولًا: خطيئة “وصف الطريق”_
“وصف الطريق” هو أن نكتب على الورق: “نريد دولة مدنية، عدالة انتقالية، جيشًا قوميًا، دستورًا دائمًا”. كلام جميل. لكنه يبقى حبرًا علي ورق إذا كانت أقدامنا تمشي عكسه.
“وصف الطريق” هو أن نهتف “لا للحرب” في المظاهرة، ثم نخوّن جارنا في الحي لأنه من “الجهة الأخرى”. هو أن نطالب بالعدالة في المنبر، ثم نبرر نهب بيت نازح لأنه “منهم”. هو أن نلعن القبلية في المقال، ثم ننحاز لابن القبيلة في الظلم.
هذا هو الانفصام الذي يجعل الحرب تعيش. نكتب “المفروض” بأيدينا، وندوس “الكائن” بأقدامنا. ثم نسأل: لماذا لا يأتي السلام؟ لأنه لا يأتي لمن يصفه. إنما يأتي لمن يمشيه.
_ثانيًا: ما معنى “طريقة المشي”؟_
“طريقة المشي” هي القرارات الصغيرة التي تتخذها وأنت وسط الزحام. هي أن تختار “الرعاية” حين يكون “الافتراس” أسهل وأأمن.
1. *المشي هو أن ترفض الغنيمة وهي في يدك.*
أن يكون بيت جارك النازح مفتوحًا، وفيه ذهب وطعام، فتقول: “هذا ليس لي”. وتغلقه وتكتب عليه “مصان”. هذا الفعل الصغير أقوى من ألف معاهدة سلام. لأنك قررت أن تكون راعيًا لا ذئبًا، وحارسا للسكن بنفسك .
2. *المشي هو أن تطعم من تعتبره عدوك.*
أن ترى جريح “الطرف الآخر” ملقى على الأرض، فتسقيه ماء. لا لأنك تحب قضيته، بل لأنك تحترم إنسانيته. هذا هو “التعايش” الذي قلنا إنه الأصل. أن ترى وجهه قبل أن ترى بدلته.
3. *المشي هو أن تكسر اللثام بصوتك.*
أن تسمع “البعض” يقول: “ديل كلهم ما نافعين”، فترد: “لا. فيهم الصالح وفيهم الطالح. مثلي ومثلك”. أن ترفض التعميم. أن تسمي القاتل قاتلًا باسمه، لا باسم قبيلته. هذا هو الذي يجفف ماء الدوامة.
_ثالثًا: لماذا “طريقة المشي” أصعب من “وصف الطريق”؟_
لأن “وصف الطريق” لا يكلفك شيئًا. تقوله وأنت آمن. أما “طريقة المشي” فتكلفك. تكلفك غنيمة، تكلفك أمانًا، تكلفك اتهامًا بأنك “خائن” أو “طابور”.
السلام ليس قرارًا تتخذه الدول، بل كلفة تدفعها أنت. الدول توقع على ما صنعه الناس في الحارات. حين يقرر ألف شخص أن يحمي بيت جاره، تنتهي الحرب في الحي. وحين تنتهي في ألف حي، تنتهي في الدولة.
لذلك “التكية” أهم من القصر الجمهوري. لأن التكية “طريقة مشي”. تطبخ وتطعم الآن. لا تنتظر وصفًا للطريق. ومن يطعم اليوم، هو الذي يبني غدًا.
_فلا تسأل: متى يأتي السلام؟_
_بل اسأل: كيف أمشي اليوم؟_
_هل مشيت كذئب ينهش، أم كراعٍ يحرس؟_
_هل وصفت الطريق، أم مشيت فيه؟_
السلام ليس خريطة. السلام هو قدمك التي ترفض أن تدوس على جثة، ويدك التي تمتد لتطعم، ولسانك الذي يرفض اللثام.
يتبع.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين، وللوطني سلام.
الخميس/ 30/أبريل /2026
حبيب الشعب مش حتنازل عنك مهما يكون
في ولاية كسلا الحبيبة التي احتضنت عدد مهول من النازحين جراء حرب الظلم وتمرد الجهل كان الفو…





