لماذا لا نُسمّي مشاكلنا بأسمائها ؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست المشكلة أن نجهل الحقيقة…بل أن نعرفها، ثم نُعيد تسميتها بما يسمح لنا بتجنّبها
في السودان…
لا تُدار الأزمات فقط بالقرارات،
بل تُدار — في مستوى أعمق — باللغة.
نحن لا نُغيّر الواقع حين نعجز عن مواجهته… بل نُغيّر اسمه.
○ نسمي الانهيار: “تحديًا”
○ ونسمي الفشل: “تعقيدًا”
○ ونسمي العجز: “ظرفًا”
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
أولاً: اللغة كأداة هروب… لا كأداة كشف
في المجتمعات المستقرة، تُستخدم اللغة لتوضيح الواقع ، أما في المجتمعات المأزومة… فتُستخدم لإخفائه.
حين نقول:
– “الوضع صعب”… بدل “هناك فشل في الإدارة”
– “في تعقيدات”… بدل “في غياب رؤية”
– “ظروف خارجة عن الإرادة”… بدل “أخطاء داخلية”
فنحن لا نصف الواقع بل نُعيد تغليفه.
> اللغة هنا لا تنقل الحقيقة… بل تؤجل مواجهتها.
ثانيًا: ثقافة السلامة… حين يصبح الصدق مخاطرة
في كثير من السياقات السودانية،
لا يكون تجنّب تسمية المشكلة ضعفًا معرفيًا… بل قرارًا اجتماعيًا.
لأن:
– تسمية الخطأ قد تُفسّر كاتهام
– تسمية الفشل قد تُفهم كعداء
– تسمية المسؤول قد تُعد خروجًا عن الصف
وهنا تتشكل ما يمكن تسميته:
> ثقافة السلامة على حساب الصراحة حيث يصبح الغموض وسيلة للبقاء… لا عيبًا في التفكير.
ثالثًا: الخوف من التسمية… خوف من الالتزام
تسمية المشكلة ليست فعلًا لغويًا فقط بل التزام.
● حين تقول: هذه أزمة إدارة
فأنت ضمنيًا تقول: يجب أن تُدار بشكل مختلف
● وحين تقول: هذا خلل مؤسسي
فأنت تفتح باب:
● الإصلاح أو المساءلة لهذا… يتم تجنّب التسمية، ليس لأن الحقيقة غير معروفة… بل لأن تبعاتها معروفة.
رابعًا: إدارة الانطباع بدل إدارة الواقع
في كثير من الأحيان، لا يكون الهدف حل المشكلة ، بل إدارة كيف تبدو.
فننتقل
● من:
– “كيف نعالج الخلل؟”
إلى:
– “كيف نفسّر الخلل؟”
● ومن:
– “كيف نبني نظامًا؟”
إلى:
– “كيف نُقنع الناس أن الأمور تحت السيطرة؟”
> وهنا تتحول الدولة — أو النخبة — من فاعل إلى مُعلّق على الواقع.
خامسًا: التسمية المؤجلة… تكلفة مضاعفة
المشكلة التي لا تُسمّى… لا تختفي.
بل:
– تتضخم
– تتشابك
– تتكرّر
> لأنك لا تستطيع حل ما لا تستطيع تعريفه بدقة
وفي منطق الجسر والمورد:
> كل مشكلة غير مُعرّفة بدقة… هي مورد مُهدر ، نُهدر الزمن في الدوران حولها، والانتباه في تفسيرها، والطاقة في التعايش معها.
سادسًا: بين الأدب والوضوح… أين الحد؟
ليس المطلوب أن نكون صداميين…
ولا أن نُسمي الأشياء بفظاظة.
لكن هناك فرق كبير بين اللباقة والتمويه
■ اللباقة: تقول الحقيقة بطريقة تُحافظ على العلاقة
■ التمويه:يُخفي الحقيقة لحماية الموقف
> والمجتمعات التي تخلط بينهما…تفقد قدرتها على التصحيح.
سابعًا: لماذا هذه الظاهرة سودانيًا؟
السياق السوداني يحمل عوامل مركبة:
– تاريخ طويل من الأنظمة التي لا تُحب التسمية الصريحة
– بيئة اجتماعية تقدّم الانسجام على المواجهة
– نخب اعتادت إدارة الخطاب أكثر من إدارة الواقع
– مواطن أنهكته الأزمات… فأصبح يفضّل التلطيف على الصدمة
فتتشكل حلقة مغلقة:
> واقع مأزوم + لغة مُخفِّفة = وعي مُشوَّش
ثامنًا: إعادة تعريف الشجاعة
في هذا السياق الشجاعة لا تعني الصراخ بل الدقة.
أن تقول:
– هذا نجاح… عندما يكون نجاحًا
– وهذا فشل… عندما يكون فشلًا
دون مبالغة… ودون تهرّب.
الشجاعة الحقيقية هي:
> أن تُسمي المشكلة… ثم تتحمّل مسؤولية ما بعد التسمية
تاسعًا: من التسمية إلى البناء
التسمية ليست هدفًا…
بل بداية.
حين نُسمي:
– نُحدد
– وحين نُحدد… نفهم
– وحين نفهم… نستطيع أن نبني
أما حين لا نُسمي…
فنحن لا نختلف فقط في الحلول،
بل نختلف في تعريف المشكلة نفسها.
#أصل_القضية: حيث يُصنع العبور
في السودان اليوم…
قد لا يكون أخطر ما نواجهه هو حجم الأزمات…
بل طريقة حديثنا عنها لأن:
> الدول لا تتعثر فقط بسبب أخطائها…بل بسبب عجزها عن تسميتها بدقة
في منطق الجسر والمورد:
– التسمية = بداية الفهم
– الفهم = بداية التوجيه
– التوجيه = بداية العبور
–
بين واقعٍ نعرفه…
ولغةٍ نُخفيه بها…
> المجتمعات التي لا تُسمّي مشاكلها… تُسلّم مصيرها لمن يُسمّيها نيابةً عنها
وهنا… بالضبط#أصل_القضية
حبيب الشعب مش حتنازل عنك مهما يكون
في ولاية كسلا الحبيبة التي احتضنت عدد مهول من النازحين جراء حرب الظلم وتمرد الجهل كان الفو…





