جامعات السودان.. العبور نحو السيادة الرقمية
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لم يعد التحول الرقمي في منظومة التعليم العالي مجرد ترف تقني أو خيار بديل تمليه الظروف الطارئة، بل أضحى ضرورة استراتيجية تلامس صلب الأمن القومي المعرفي والسيادة الوطنية. ما نشهده اليوم من تحركات مكثفة في أروقة التعليم العالي السوداني، وتحديداً من خلال الشراكات الإقليمية النوعية، يمثل “خارطة طريق” طموحة لإعادة صياغة هوية الجامعة السودانية لتصبح “جامعة ذكية” عابرة للحدود والقيود التقليدية.
إن التركيز على محاور مفصلية تشمل حوكمة البحث العلمي، وتصنيف الجامعات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والبنيات التحتية الرقمية، يعكس إدراكاً عميقاً الفجوة التقنية التي تفصلنا عن العالم، فحوكمة البحث العلمي تضمن توجيه الموارد المحدودة نحو أولويات التنمية الوطنية، بدلاً من البحوث النظرية التي تظل حبيسة الأدراج، وأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيال علمي، بل أداة حاسمة في التجارب السريرية والنشر العلمي، مما يضع الباحث السوداني على منصة المنافسة الدولية بمعدات العصر.
أحد أبرز ملامح هذه الرؤية هو تطوير شبكة البحث والتعليم السودانية وإنشاء مراكز بيانات جديدة موزعة جغرافياً. هذه الخطوة ليست تقنية فحسب، بل هي خطوة نحو “السيادة الرقمية”. فامتلاك مراكز بيانات وطنية يعني حماية المحتوى الأكاديمي والبحثي من التلاشي أو الارتهان للخارج، ويضمن استمرارية الخدمات الأكاديمية حتى في أحلك الظروف السياسية أو الاقتصادية.
الحديث عن تفعيل خدمة “eduroam” يمثل ثورة في مفهوم “تجوال الباحث”. أن يتمكن الطالب أو الأستاذ السوداني من الدخول إلى الشبكة المعلوماتية في أي جامعة حول العالم ببياناته المحلية، هو اعتراف ضمني بانضمام الجامعات السودانية إلى النادي الأكاديمي العالمي الموحد، مما يكسر العزلة المعرفية ويوفر بيئة آمنة لتبادل البيانات.
لا يمكن الحديث عن تحول رقمي في ظل تكلفة إنترنت باهظة. لذا، فإن الشراكة مع قطاع الاتصالات لتنفيذ شبكة التعليم العالي اللاسلكية هي ضربة معلم. الهدف هنا هو “خفض التكلفة” و”تحسين الوصول”، مما يعني أن الطالب في أقصى الريف السوداني سيتمكن من الولوج إلى الموارد العلمية العالمية بنفس الكفاءة التي يتمتع بها نظيره في الخرطوم أو في أي عاصمة عالمية.
“إن الاستثمار في التقانات الحديثة ليس مجرد شراء للأجهزة، بل هو بناء للعقول القادرة على قيادة التحول الوطني الشامل.”
إن الترتيبات الجارية للتنسيق بين وزارتي التعليم العالي والاتصالات تعد خطوة حيوية لمنع “جزر الانعزال” المؤسسي. التحول الرقمي يتطلب تناغماً بين التشريعات، والبنية التحتية، والمناهج التعليمية.
في الختام، يمر السودان بمرحلة مفصلية تتطلب تحويل هذه الخطط إلى واقع ملموس على الأرض. إن بناء “الجامعات الذكية” وتوطين مسارات الذكاء الاصطناعي هو الضمان الوحيد لإعداد جيل قادر على مواكبة الثورة الصناعية الرابعة. الطريق طويل، لكن البداية من بوابة الشراكات الإقليمية والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية هي البداية الصحيحة التي ستضع السودان مجدداً على خارطة التميز الأكاديمي العالمي.
Ghariba2013@gmail.com
30 أبريل 2926
حبيب الشعب مش حتنازل عنك مهما يكون
في ولاية كسلا الحبيبة التي احتضنت عدد مهول من النازحين جراء حرب الظلم وتمرد الجهل كان الفو…





