‫الرئيسية‬ مقالات أزمة الشرعية الدولية: عندما تضل الجوائز طريقها نحو “الحقيقة”
مقالات - ‫‫‫‏‫41 دقيقة مضت‬

أزمة الشرعية الدولية: عندما تضل الجوائز طريقها نحو “الحقيقة”

شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يحتفل العالم في الثالث من مايو من كل عام باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو الموعد الذي تذكّرنا فيه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بالقيم السامية التي تحمي “الكلمة” وتصون “الحقيقة”. بيد أن هذا العام، ومع اقتراب هذه الذكرى، تبرز إلى السطح تساؤلات جوهرية حول المعايير التي تستند إليها المنظمات الكبرى، وفي مقدمتها “اليونسكو”، عند منح جوائزها الدولية الرفيعة، خاصة في مناطق الصراعات الملتهبة التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتصبح فيها المهنية عرضة للتجاذبات السياسية.

إن منح جائزة دولية بحجم “غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة” ليس مجرد بروتوكول احتفالي، بل هو صك اعتراف دولي بجهود مهنية استثنائية. ولكن، حين تُمنح هذه الجائزة لكيانات تفتقر إلى الغطاء القانوني والدستوري في بلدانها، وتُتهم بالتحيز السياسي لأطراف صراع مسلح، فإننا نقف أمام “سقطة مهنية” تتجاوز حدود التكريم لتصل إلى مربع الانحياز.

إن جوهر العمل الصحفي يقوم على “الاستقلالية”، وأي كيان مهني ينزلق نحو توفير الإسناد السياسي لمجموعات مسلحة أو يصمت عن انتهاكات جسيمة تشمل قتل وتشريد الزملاء في المهنة، يفقد بالضرورة أهليته لتمثيل حرية الصحافة. وهنا تقع المسؤولية الأخلاقية على عاتق المنظمات الدولية للتدقيق في “هوية” المكرمين، وضمان أن الجائزة تذهب لمن يخدم الحقيقة، لا لمن يخدم الأجندات العسكرية أو السياسية.

تتجلى إشكالية المعايير المزدوجة عند المقارنة بقرارات سابقة. ففي عام 2024، اتخذت “اليونسكو” خطوة حكيمة ومنصفة بمنح الجائزة لجميع الصحفيين الفلسطينيين في غزة ككتلة واحدة، تقديراً لصمودهم الجماعي أمام آلة الحرب. كان ذلك القرار نموذجاً للاعتراف بالتضحيات الميدانية بعيداً عن التقسيمات الفئوية.

أما في الحالة الراهنة، فإن الذهاب نحو تكريم “كيان محدد” يثير جدلاً حول الشرعية القانونية ويواجه اتهامات الارتباط بجهات مشبوهة ، يمثل طعنة في خاصرة التضامن المهني. كان الأحرى بالمنظمة الدولية، انحيازاً لروح اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن توجّه هذا التكريم إلى “الصحفي السوداني” المرابط في الميدان، الذي يواجه الرصاص والاعتقال والتشريد، أو للشهداء والمختفين قسرياً، بدلاً من إقحام المؤسسة الأممية في صراع الشرعيات النقابية المحلية.

إن التسرع في منح اعتراف دولي لأجسام موازية تخالف القوانين الوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة يؤدي إلى نتائج كارثية، منها إضعاف العمل النقابي عبر تعميق الانقسامات الداخلية وتفتيت جهود الجماعة الصحفية، وفقدان الثقة الدولية عندما تتحول الجوائز إلى أدوات سياسية، تفقد قيمتها المعنوية وتتحول من “وسام شرف” إلى “محل نزاع”، إلى جانب تزييف الواقع الميداني: بالاعتماد على معلومات مضللة تتجاهل معاناة الصحفيين الحقيقيين الذين دمرت مؤسساتهم الإعلامية بشكل ممنهج.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يحتاج الصحفيون إلى جوائز تزيد من انقسامهم، بل إلى مواقف دولية تحترم سيادة القوانين الوطنية وتدعم الأجسام الشرعية المنتخبة التي تمثلهم. إن مراجعة “اليونسكو” لقراراتها المتعلقة بمنح الجوائز في مناطق النزاع ليست تراجعاً، بل هي شجاعة مهنية تضمن عدم تلطيخ سمعة الجوائز الدولية بشبهات التسييس.

الحرية الحقيقية للصحافة تبدأ من احترام الحقيقة، وأول الحقائق هي أن الجوائز يجب أن تذهب لمن يدفع ثمن الكلمة في الميدان، لا لمن يتخذ من المنصات الدولية غطاءً لأجندات لا تمت للمهنة بصلة.

‫شاهد أيضًا‬

تنسيق حكومي لتعزيز فرص التشغيل عبر قطاع التعدين

التقى وزير تنمية الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح بوزير المعادن الأستاذ نور الدايم طه، في …