معادلة السرّ الضروري والعلن الخير
إتجاه البوصلة بقلم/الجزولي هاشم

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه مساحات اليقين، يصبح الحديث عن “ما يدور داخل الغرف الباردة” شهوةً عامة، وحقًا مشروعًا في ظاهره، لكنه محفوفٌ بتعقيداتٍ لا يراها كثيرون. فالدولة، أيّ دولة، لا تُدار على المكشوف الكامل، ولا تُبنى قراراتها على إرضاء الفضول العام، خاصة في عالمٍ تتنازع فيه المصالح وتتصارع فيه الدهاءات قبل الجيوش.
المعادلة الدقيقة التي يحتاجها السودان اليوم ليست معادلة كشفٍ مطلق ولا كتمانٍ مطلق، بل “معادلة السرّ الضروري والعلن الخير”. السرّ الضروري ليس ترفًا سلطويًا، بل هو جزء من أدوات البقاء في بيئةٍ دوليةٍ وإقليمية لا ترحم السذاجة. والعلن الخير ليس منّةً من القيادة، بل واجبٌ أخلاقي وسياسي يضمن بقاء الثقة حية بين الحاكم والمحكوم.
الذين يطالبون بكشف كل شيء، يغفلون أن الدولة إذا سارت بالكامل على رغبة العامة في لحظة صراع، فإنها تفقد قدرتها على المناورة، وتتحول إلى كتابٍ مفتوح لكل من يريد أن يقرأ نقاط ضعفها. وفي المقابل، القيادة التي تفرط في الصمت وتترك الفراغ المعلوماتي، إنما تفتح الباب واسعًا أمام “مجتهدي مواقع التواصل” ليملأوا المشهد بتحليلاتٍ تقودها الأهواء لا الحقائق، فتتشوش البوصلة وتضيع الأولويات.
السودان اليوم في مرحلةٍ الأصل فيها أن تُبنى الثقة، لا أن تُستهلك. ثقةٌ تُمنح بوعي، لا بسذاجة، وتُصان بالشفافية الممكنة، لا بالانكشاف الكامل. وعلى القيادة أن تدرك أن إدارة الصمت لا تقل أهمية عن إدارة الكلام، وأن توضيح ما يمكن قوله في الوقت المناسب، هو جزء من معركة الاستقرار لا تفصيلٌ هامشي فيها.
إن ترك المجال للروايات المتناثرة أخطر من قول الحقيقة الجزئية. لأن الحقيقة حين تُقال بميزان، تُحصّن الوعي، أما حين تُترك غائبة، فإن البديل ليس الصمت، بل الضجيج.
هذه هي المعادلة التي يحتاجها البلد:
سرٌّ يحمي الدولة… وعلنٌ يحمي ثقة الناس.
وما بينهما، تُصاغ الاستراتيجية التي تُخرج السودان من وهدته، لا بالشعارات، بل بإدارة واعية لتوازنٍ دقيق بين ما يُقال… وما يجب أن يُصان.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة رصاصة ضد الحقيقة
يأتي الثالث من مايو تحت شعار “تشكيل مستقبل يسوده السلام”، لكن السلام مستحيل دو…





