فهم الحرب يعني إحلال السلام – ولا سلام بلا أمل
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام _ الحرب والسلام (7_10)

الحرب لا تدمر البيوت فقط. تدمر “تصور المستقبل”. تجعل العين لا ترى أبعد من قدميها. تجعل الشاب لا يخطط إلا للهروب، والطفل لا يحلم إلا بالنجاة، والأم لا تتمنى إلا أن يمر اليوم بلا جنازة.
*أخطر ضحايا الحرب: الأمل.*
إذا مات الأمل، مات الإنسان وهو حي. وصار جسدًا يمشي بلا روح، ينتظر الموت أو يصنعه.
السلام ليس وقف إطلاق نار. السلام هو “إطلاق سراح الأمل” من سجن اليأس.
*أولًا: سايكولوجيا الإنسان – الأمل جهاز مناعة نفسي*
1. *اليأس يقتل قبل الرصاصة*: في دراسات الناجين من الكوارث، من فقد الأمل مات أسرع، ولو جسده سليم. ومن تمسك بخيط أمل، عاش، ولو جرحه قاتل. الحرب تعرف هذا. لذلك أول سهم تطلقه هو “مافي فايدة”. السلام يبدأ يوم نكسر هذا السهم، ونقول “في فايدة”. خيط الأمل هو حبل النجاة.
2. *تأثير النبوءة المحققة لذاتها*: إذا اقتنعت أن “البلد انتهت”، ستتصرف على هذا الأساس: تسرق، تهرب، تخرب. وبفعلك هذا، تنتهي البلد فعلًا. وإذا اقتنعت أن “البلد حتقوم”، ستزرع، تعلم، تبني. وبفعلك هذا، تقوم البلد فعلًا. نحن نصنع المستقبل الذي نؤمن به. الحرب تبيعك نبوءة الخراب. السلام يبيعك نبوءة القيامة. اختر ما تشتري.
3. *الأمل المُعدي*: اليأس يعدي. شخص واحد يائس في الحلة، يسمم الحلة كلها. والأمل أيضًا يعدي. أم تفتح “مدرسة تحت الشجرة” وسط القصف، تحيي أمل ألف أم. شاب ينظف شارعه، يعلم الحي كله أن “الحياة ممكنة”. السلام لا يحتاج جيشًا من المتفائلين. يحتاج “واحدًا” يبدأ، فيعدي الباقين.
*ثانيًا: فطري – البذرة الميتة تحلم بالشجرة*
1. *حكمة البذرة*: ضع بذرة في الأرض. في الظلام، في الطين، في البرد. لا أحد يراها. كل الظروف تقول “ماتت”. لكن داخلها “برنامج” يقول “سأصير شجرة”. فتشق الأرض وتطلع. هذا هو الأمل. شعبنا هو هذه البذرة. مدفونون الآن تحت ركام الحرب. لكن فينا برنامج “سنقوم”. من صدق البرنامج، شق الركام.
2. *ليل ونهار*: أطول ليل لابد بعده فجر. هذه ليست شعرًا. هذا قانون كون. لا يوجد ليل أبدي. حربنا طالت، وظلامها ثقيل. لكن هذا دليل واحد: الفجر قرب. لأن الليل لا يشتد إلا إذا اقترب الفجر. اليائس ينظر للساعة ويقول “لسه ليل”. المؤمن ينظر للظلام ويقول “الفجر على الباب”.
3. *فطرة الطفل في اللعب*: أعط طفلًا علبة صلصة فاضية وعصاية. سيصنع منها عربية، ويقودها، ويضحك. هذا هو الأمل: أن تصنع حياة من “لا شيء”. كبارنا عندهم “كل شيء” ويقولون “مافي أمل”. السلام يرجع يوم نتعلم من الطفل: نصنع فرحًا من العدم، ونبني وطنًا من الركام.
*ثالثًا: الاستدلال بالإسلام – الله لا يخلف وعده*
الإسلام دين “مبشرين لا منفرين”. ودين “فأل” لا تشاؤم. والقرآن كله خريطة أمل.
1. *ثابت النهي عن اليأس: “لا تقنطوا من رحمة الله”*:
– *الدليل*: _قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا_.
– *الحقيقة*: إذا كان الله ينهى المذنب أن ييأس من المغفرة، فكيف ييأس المظلوم من النصر؟ كيف ييأس المكلوم من الجبر؟ اليأس معصية. لأنه سوء ظن بالله. والحرب تريدك أن تعصي، فتيأس. السلام يبدأ بتوبة من اليأس. أن تقول: “يا رب، ظني بك أنك ستجبرنا”.
2. *ثابت التمكين بعد الضعف: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا”*:
– *الدليل*: _وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ_.
– *الحقيقة*: الآية نزلت في بني إسرائيل وهم تحت فرعون. أذل خلق الله، يستعبدهم ويذبح أبناءهم. ثم جاء الوعد: “نريد أن نمن”. لا أن “نرحم” فقط. بل “نجعلهم أئمة”. هذا هو الأمل القرآني: لا يعدك بالنجاة فقط. يعدك بالريادة. نحن اليوم “المستضعفون”. والوعد ساري. بشرط: ألا نيأس.
3. *ثابت التفاؤل النبوي: “ويعجبني الفأل”*:
– *الدليل*: قال صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة”.
– *الحقيقة*: في عز الأزمات، في حفر الخندق، والصحابة جوعى، يحفرون والأحزاب فوقهم، بشرهم بكنوز كسرى وقيصر. هذا ليس “تخدير”. هذا “صناعة أمل”. لأن الجندي بلا أمل، سلاحه ثقيل. والشعب بلا أمل، حياته ثقيلة. السلام يحتاج قادة يبشرون، لا يولولون. يزرعون “الفأل”، لا “الفزع”.
فالحرب شخصناها فعرفناها مرضًا.
ودواؤها: كلمة طيبة، وفعل طيب، وصبر جميل، وعدل مستقيم.
وروح الدواء كله: *الأمل*.
السلام لا يولد في “المؤتمرات”.
يولد في “قلب أم” تقول لولدها: “باكر تكبر وتبني البلد”.
يولد في “عين شاب” يفتح دكانه وسط الخراب ويقول: “رزق اليوم”.
يولد في “يد عجوز” تغرس شتلة وتقول: “للجيل الجاي”.
والأصل أن السلام حلم، نصحى لنحققه.
والطارئ أن نظنه “كابوس” نستسلم له، ونموت قبله.
يتبع.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين، ولوطني سلام.
الأحد /3/مايو /2026
حراس الكلمة في مواجهة الرصاص: تحية إجلال لنبض الصحافة السودانية الحرة
في الثالث من مايو، يوم حرية الصحافة العالمي، لا نقف لنحتفي بمجرد مهنة، بل ننحني إجلالاً لع…





