حراس الكلمة في مواجهة الرصاص: تحية إجلال لنبض الصحافة السودانية الحرة
د. زحل السعيد عثمان الشيخ خبيرة في الشؤون الإنسانية والسياسات الإقليمية

في الثالث من مايو، يوم حرية الصحافة العالمي، لا نقف لنحتفي بمجرد مهنة، بل ننحني إجلالاً لعقيدةٍ من النور يذود عنها صحفيو السودان وسط ركام الحرب وحطام الأمكنة. إن الصحافة في بلادنا اليوم قد تجاوزت عتبات “السلطة الرابعة” لتصبح هي الضمير الجمعي المتبقي، والشهادة الحية التي تأبى التزوير؛ فهي لم تعد ترفاً فكرياً بل غدت معركة وجودية يقودها فرسان ومهنيون وهبوا حياتهم ليكونوا همزة الوصل الأخيرة بين إنسان السودان المنهك وبين بصيص الأمل. لقد اختار هؤلاء الصحفيون أن تظل محابرهم نابضة بالحق، يسطرون بها مآسي النزوح وأوجاع الأرض، غير آبهين بزمجرة المدافع أو وعيد الرصاص، فجعلوا من أقلامهم قلاعاً تحمي وعي المواطن، ومن عدساتهم مرايا تعكس صمود شعبٍ يأبى الانكسار.
ويتجلى في قلب هذه الملحمة وهجٌ استثنائي تقوده قامات الصحافة النسوية في السودان، أولئك اللاتي لم يكتفين بنقل الخبر، بل كنَّ هنَّ الخبر في صمودهن وشجاعتهن المنقطعة النظير. ببراعةٍ وشجاعة، صغنَّ من المعاناة صوتاً جهوراً للمرأة السودانية، واقتحمن دروب الخطر بقلوبٍ ثابتة ليوثقن تفاصيل المأساة بعينٍ دامعة ويدٍ قوية لا ترتجف. لم تتوارَ الصحفية السودانية يوماً عن تقديم الحقيقة المجردة، بل ظلت حارسةً أمينة على أحلام البسطاء وصوت المستضعفين، محوّلةً كل حرفٍ تكتبه إلى صرخة حرية في وجه الظلم، لتثبت للعالم أن صحفيات السودان هنَّ الشرايين الحقيقية التي تضخ الكرامة في جسد هذا الوطن، مخلداتٍ أسماءهن في سجل الخالدين بمدادٍ من العزيمة والإباء.
لكن هذه المسيرة المعمدة بالتضحية لم تكن بلا ثمنٍ غالٍ، إذ نفتح اليوم سجلات الفقد لنجدها مثقلةً بأرواحٍ طاهرة فارقتنا لتسكن علياء المجد، حيث نترحم بقلوبٍ يملؤها الشوق والامتنان على شهداء الكلمة الذين وثقت نقابة الصحفيين السودانيين رحيلهم المر منذ أبريل 2023. سلامٌ على النور سليمان، وتاج السر محمد سليمان، والراحلة سماهر عبد الشافع، والمصور الشجاع عصام حسن، وخالد بلل، ومحمد أحمد، والسر أبو كساوي، وكل أولئك الذين استُشهدوا وفي قبضاتهم أقلامهم وفي صدورهم حب السودان. إننا نبتهل إلى المولى عز وجل أن يتقبلهم في أعلى عليين، وأن يفك أسر الغياب بعودة عاجلة لكل المفقودين الذين ننتظر سماع وقع أقدامهم، وأن يمنَّ بالشفاء العاجل لكل جريحٍ ومصاب سكب دمه فداءً للرسالة. ستظل ذكراكم أيها الأوفياء حيةً في صدورنا، منارةً تهدينا إلى فجرٍ جديد لا تشرق شمسه إلا بالعدل والحرية والكرامة.
المليشيا تصنع الشائعات من كمبالا
اشارت معلومات وردت في تقرير مسرب إلى وجود شبكة منظمة تدير عمليات تضليل إعلامي ممنهجة من خا…





