‫الرئيسية‬ مقالات عندما تكسر الحروب “حاجة” الأسرة لعائلها
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

عندما تكسر الحروب “حاجة” الأسرة لعائلها

أجيال النيل د. سهام موسى مصر

تعد الأزمات الوجودية، كحروب المدن والنزوح القسري، المختبر الأكثر قسوة للنفس البشرية. وفي سياق الحرب السودانية الراهنة، لم تقتصر الخسائر على البنية التحتية أو الاقتصاد، بل امتدت لتحدث زلزالاً صامتاً في “بنية الأسرة”. إن أخطر ما يواجهه المجتمع السوداني اليوم، سواء العالقين في الداخل أو النازحين في دول اللجوء كجمهورية مصر العربية، أو حتى المغتربين في دول المهجر، هو ظاهرة “الاستغناء النفسي” وتآكل الأدوار التقليدية نتيجة الغياب القسري أو التباعد المكاني.

في علم النفس، عندما يجد الفرد نفسه وحيداً في مواجهة خطر داهم كالحرب، يطور العقل آليات دفاعية تجعله “مكتفياً ذاتياً”. الزوجة السودانية التي وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن حماية أطفالها تحت دوي المدافع في الخرطوم، أو تلك التي كافحت لتأمين سكن وإقامات في القاهرة بينما الزوج عالق في السودان أو يعمل في دولة أخرى، لم تختر القسوة أو التمرد.

لقد قام عقلها الباطن ببرمجة نفسه على أن “الاعتماد على الآخر خطر”، لأن هذا الآخر قد يختفي في أي لحظة نتيجة الموت أو السجن أو تعقيدات السفر. هذا التحول يجعل من عودة الرجل، أو اجتماعه بأسرته لاحقاً، “عبئاً” نفسياً غير واعٍ؛ فالتخلي عن “درع الحماية” والاستسلام مجدداً لسلطة القرار المشترك يتطلب جهداً نفسياً هائلاً قد لا يطيقه العقل الذي اعتاد الصمود منفرداً.

تشير دراسات الإرشاد الأسري إلى فرق جوهري بين “المكانة” و”الدور”. في الثقافة السودانية، يحتفظ الأب بمكانته الرمزية (الاحترام، اللقب، التقدير)، لكن الغياب الطويل بسبب الحرب أو البحث عن الرزق في المهجر يسلبه “دوره” الفعلي.

عندما تدير الزوجة والأبناء تفاصيل حياتهم اليومية في مصر أو دول الجوار—بدءاً من التعامل مع الجهات القانونية وصولاً إلى إدارة الميزانية—يتكيف الدماغ مع هذا “الفراغ” الإداري ويملؤه. وحين يعود الأب لممارسة سلطته، يُفسر الدماغ الجمعي للأسرة تحركاته كـ “غزو” لمساحة تشكلت ونضجت في غيابه. هنا لا يصبح الأب “صاحب بيت”، بل “ضيفاً ثقيلاً” يربك نظاماً مستقراً وتوزيعاً للمهام استغرق سنوات من الألم لضبطه.

إن القوة المحركة للروابط الأسرية ليست الحب وحده، بل “الاحتياج المتبادل”. الحرب السودانية فعلت ما هو أخطر من كسر القلوب؛ لقد قامت بـ “كسر الحاجة”، ففي الداخل تعلمت الأسر كيف تتدبر أمرها في انقطاع الكهرباء والمياه وغياب المعيل، وفي دول اللجوء (مصر نموذجاً) انخرطت النساء والشباب في سوق العمل والتعامل مع تعقيدات الحياة الجديدة، مما ولد لديهم شعوراً بالاستقلالية الوجودية. وفي دول المهجر: وجد المغتربون أنفسهم يرسلون الأموال (المكانة المالية) لكنهم مغيبون عن “التفاصيل الوجدانية” (الدور العاطفي).

“الحياة التي تعلمت المشي بدونك، لن تنتظر عودتك لتعلمها الركض.” هذه المقولة تلخص المأزق القانوني والاجتماعي الذي يواجهه المجتمع السوداني ما بعد الحرب. سنشهد نزاعات قانونية حول “الولاية” و”سلطة اتخاذ القرار” داخل الأسرة، ناتجة في الأصل عن فجوة نفسية أحدثها الغياب.

بصفتنا باحثين في هذا المجال، يجب التنبيه إلى أن العودة للوضع الطبيعي تتطلب استراتيجيات مدروسة، ومنها الاعتراف بالواقع الجديد، فعلى الرجل العائد أو المغترب أن يدرك أن الأسرة التي تركها قد “نمت” وتغيرت، وأن استعادة دوره لا تتم بالفرض بل بالاندماج التدريجي، وضرورة تفكيك دروع الحماية، فتحتاج الزوجات اللاتي خضن غمار الأزمات إلى دعم نفسي لإعادة بناء “الثقة في الاعتمادية”، والتخلص من خوف أن “الآخر سيختفي مجدداً”، مع إعادة تعريف الأدوار بدلاً من محاولة استعادة “السلطة المطلقة”، يجب بناء نموذج “الشراكة” الذي يتناسب مع الخبرات التي اكتسبها الأبناء والزوجة خلال فترة الغياب.

إن من استرخص الغياب—سواء كان مضطراً أو مختاراً—عليه أن يستعد لدفع ثمنه بالصبر والاحتواء، فمن علم أهله الاستغناء عنه، لا يحق له أن يلومهم على “كمال” حياتهم بدونه، بل عليه أن يحاول ببطء أن يجد لنفسه مكاناً جديداً في عالمهم الذي استمر في الدوران رغم توقفه هو.

‫شاهد أيضًا‬

الادخار وصندوق رعاية الطلاب يتفقان مبدئيًا على صرف الكفالة عبر حسابات الطلاب بالبنوك 

عقد وفد من بنك الادخار المركزي ، برئاسة مدير إدارة التمويل الأصغر أحمد محمد موسى ، ونائبه …