‫الرئيسية‬ مقالات وعي المواطن وسلاح الشائعة: دروس من حادثة “شاب العباسية”
مقالات - ‫‫‫‏‫39 دقيقة مضت‬

وعي المواطن وسلاح الشائعة: دروس من حادثة “شاب العباسية”

شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

لم تكن حادثة وفاة الشاب السوداني في منطقة العباسية بالقاهرة مجرد خبر عابر في شريط الأحداث اليومية المزدحم، بل تحولت في غضون ساعات قليلة إلى مادة دسمة لمنصات “التواصل الاجتماعي” التي باتت، في كثير من الأحيان، منصات “للتضليل الاجتماعي”. ومع صدور البيان الرسمي من سفارة جمهورية السودان بالقاهرة، الذي أكد بتقرير طبي مهني أن الوفاة كانت “طبيعية”، نجد أنفسنا أمام وقفة تأمل ضرورية حول كيفية إدارة الأزمات المعلوماتية في زمن السيولة الرقمية، ومدى حاجة المجتمع إلى التحصين ضد الأكاذيب التي تُحاك حول مآسي الأفراد.

ما يميز تعامل السفارة السودانية في هذه الواقعة هو الانتقال من مربع “البيانات الاستنكارية” أو “الانتظار السلبي” إلى مربع “الفعل الميداني”. إن تشكيل وفد برئاسة القنصل البخاري حبيب الله، وبصحبته المستشار الطبي د. خضر فيصل والعقيد النشط محمد احمد، للذهاب مباشرة إلى مشرحة العباسية، يمثل نموذجاً للدبلوماسية المسؤولة التي تدرك أن الحقيقة لا تُستجدى خلف المكاتب، بل تُنتزع من مواقع الحدث.

هذا التحرك السريع لم يكن هدفه فقط طمأنة أسرة المتوفى، بل كان “ضربة استباقية” لإغلاق منافذ التأويل والفتنة. بالوجود الفعلي للمستشار الطبي المتخصص ووقوفه على الجثمان يمنح الرواية الرسمية صدقية لا يمكن أن تهزها التدوينات المجهولة أو المقاطع الصوتية المفبركة التي تقتات على العواطف المتأججة.

من المؤسف أن نرى البعض يحاول تحويل المآسي الإنسانية إلى وقود لزيادة التفاعل أو لخدمة أجندات تهدف إلى خلق توترات بين الجالية والدولة المضيفة، أو بين المواطنين ومؤسساتهم الرسمية. إن استغلال وفاة شاب في مقتبل العمر لنسج قصص خيالية عن “ملابسات غامضة” قبل صدور تقرير الطب الشرعي، هو جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، تضرب عرض الحائط بحرمة الموت وبمشاعر ذوي الفقيد الذين يُفجعون مرتين: مرة بفقدان ابنهم، ومرة بالشائعات التي تحيط برحيله.

إن بيان السفارة الذي دعا إلى “تحري الدقة” هو دعوة لرفع منسوب الوعي الجماعي. الشفافية التي ابدتها البعثة الدبلوماسية السودانية بوضع النقاط على الحروف ونفي الشائعات بوضوح، يجب أن يقابلها وعي من المواطن السوداني والمتابع العربي بشكل عام.

نحن نعيش في عصر أصبح فيه كل حامل لهاتف ذكي “ناشراً”، لكن هذا لا يعفيه من كونه “مسؤولاً” أمام القانون والضمير. إن الثقة في المؤسسات الرسمية، مثل المستشارية الطبية والاجتماعية للسفارة، هي الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المجتمع نحو فوضى المعلومات.

إن حادثة العباسية أثبتت أن الحقيقة، مهما تأخرت، قادرة على دحر الزيف، لكن كلفة الشائعة في الساعات الأولى قد تكون باهظة. الدرس المستفاد هنا هو ضرورة تفعيل “فلترة” ذاتية لما نقرأ ونسمع، فالمصادر الرسمية ليست مجرد جهات بيروقراطية، بل هي المرجعية القانونية والطبية التي تحفظ حقوق الأحياء والأموات على حد سواء.

رحم الله الفقيد، وجزى الله خيراً كل من سعى لإحقاق الحق وتوضيح الحقائق، ويبقى الوعي هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه أمواج التضليل وعبث العابثين بمصائر الناس واستقرار المجتمعات.

‫شاهد أيضًا‬

البيان المصري.. تحذير وتضامن

6 مايو 2026   أصدرت جمهورية مصر العربية، بيانا تضامنيا مع حكومة وشعب السودان، عبرت في…