إنسانية تحت النار: رحلة الهلال والصليب الأحمر من الإغاثة إلى الإعمار
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في الثامن من مايو من كل عام، يقف العالم إجلالاً لذكرى انطلاق واحدة من أعظم المسيرات البشرية في التاريخ؛ مسيرة الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. هذا العام، يأتي “اليوم العالمي” والمنطقة تعيش مخاضاً عسيراً، لاسيما في السودان، حيث لا تمثل هذه المناسبة مجرد احتفالية بروتوكولية، بل هي وقفة لاستحضار تضحيات جسام سُقيت بدماء المتطوعين، وتأمل في دور محوري يتجاوز الإغاثة العاجلة إلى صياغة مستقبل وطن مثخن بالجراح.
تحت شعار “متحدون في الإنسانية”، تبرز الحقيقة المرة التي تواجهها الكوادر الإنسانية في السودان. فبينما يلوذ الناس بالفرار من جحيم الرصاص، يهرع متطوعو الهلال الأحمر نحو مناطق النزاع، متسلحين بستراتهم التي تعبر عن الحياد والاستقلال. لكن هذه السترات، التي يجب أن تكون درعاً واقياً بموجب القانون الدولي الإنساني، صارت في أحيان كثيرة هدفاً للانتهاكات الصارخة.
إن فقدان العشرات من المتطوعين والموظفين أثناء تأدية واجبهم، وآخرهم الشهداء الذين سقطوا في شمال كردفان، يضع المجتمع الدولي أمام مرآة عار؛ فالعالم الذي “غض الطرف” عن مأساة المدنيين، سمح أيضاً بتآكل حصانة العمل الإنساني. إن هؤلاء المتطوعين ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الضحايا، بل هم حائط الصد الأخير بين المدنيين والموت المحقق، وهم الذين يواصلون العمل رغم استهداف المستشفيات وتحول دور الشفاء إلى ساحات للصراع.
لقد أثبتت جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في السودان أن “المبادئ السبعة” ليست حبراً على ورق. فمنذ التأسيس في منتصف القرن الماضي، ظلت هذه الكيانات تعمل بعيداً عن التجاذبات السياسية، مقدمةً الدعم للمحتاجين دون تمييز عرقي أو سياسي. وفي ظل النزاع الحالي، تجلت عبقرية “الخدمة التطوعية” في القدرة على الوصول إلى مناطق يعجز غيرهم عن دخولها، وتوفير الغذاء والدواء لمن تقطعت بهم السبل، وتضميد جراح العنف الجنسي والنزوح القسري، مما عزز من مكانة هذه الجمعيات كشريك وطني رائد لا غنى عنه.
إن الدور الذي تضطلع به كتلة جمعيات الصليب والهلال الأحمر لا ينبغي أن يتوقف عند حدود “الإسعاف الأولي” أو “توزيع المساعدات”. فنحن نتطلع اليوم إلى دور استراتيجي في مرحلة ما بعد النزاع. إن إعادة الإعمار ليست مجرد ترميم للمباني، بل هي إعادة بناء للإنسان وتأهيل للمجتمعات التي مزقتها الحرب.
يُنتظر من هذه الجمعيات، بخبراتها المتراكمة وشبكاتها الدولية، أن تقود قاطرة “التنمية الصامدة”. ويشمل ذلك إعادة تأهيل النظام الصحي بتحويل المرافق التي دمرتها الحرب إلى مراكز طبية متطورة قادرة على مواجهة الأوبئة والكسور الجسدية والنفسية، وتعزيز التماسك الاجتماعي بالاستفادة من مبدأ “الوحدة” لنشر ثقافة السلام والتكافل في معسكرات النزوح والمجتمعات المستضيفة، وفي مجال التنمية المستدامة، الانتقال من المساعدات النقدية والغذائية المؤقتة إلى مشاريع سبل كسب العيش التي تمكن الأسر من الاعتماد على الذات.
إن صرخات الاستغاثة القادمة من الفاشر، ومن كل شبر في السودان، يجب ألا تذهب سدى. إن تكريم هؤلاء الأبطال في يومهم العالمي لا يكون فقط برفع الشعارات، بل بضمان ملاحقة منتهكي القانون الدولي الإنساني، وتوفير الحماية الفعلية للميدانيين.
ختاماً، تظل جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر هي النبض الذي يرفض التوقف في جسد السودان المنهك. إنها القوة الناعمة التي حولت المعاناة إلى عمل، والموت إلى فرصة للحياة. إن الاستثمار في هذه الجمعيات ودعم استقلاليتها هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل السودان، وفي كرامة الإنسان التي لا تقبل التجزئة. فليكن “اتحادنا في الإنسانية” هو الجسر الذي نعبر به من رماد الحرب إلى آفاق الإعمار والتنمية.
08 مايو 2026
مضيق هرمز ومَن هو هرمز ؟! ولماذا سُّمي المضيق بإسمه ؟!
حقيقة هرمز ونهايته على يد الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه . تزوير الحقائق.. الأصل هو م…





