جامعة الدول العربية… لم ينجح أحد
اسماعيل شريف

منذ تأسيس جامعة الدول العربية في عام 1945، ظل العالم العربي قائماً ببناء كيان إقليمي قادر على توحيد المواقف العربية، وصناعة القرار المشترك، والدفاع عن قضايا الأمة في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية. غير أن حصيلة العقود الطويلة الماضية تثير سؤالاً مؤلماً: ماذا حققت الجامعة العربية فعلياً؟ وهل نجحت في أن تكون مظلة فاعلة للعرب، أم تحولت إلى مؤسسة بروتوكولية عاجزة عن التأثير؟
لقد شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة أزمات متلاحقة؛ حروب أهلية، نزاعات حدودية، انقسامات سياسية، تدخلات أجنبية، أزمات اقتصادية، وكوارث إنسانية، بينما بدت الجامعة العربية في أغلب الأحيان عاجزة عن تقديم حلول حقيقية أو مواقف موحدة. وفي كثير من الملفات المصيرية، كانت الخلافات العربية – العربية أكثر حضوراً من أي توافق، حتى أصبحت اجتماعات القمم العربية نفسها مسرحاً للخلافات الحادة والتجاذبات السياسية.
ولم يعد سراً أن عدداً من القمم العربية تأجلت أو تعثرت أو خرجت ببيانات إنشائية لا تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، في وقت كانت الشعوب العربية تنتظر قرارات حاسمة تعالج أزماتها المتفاقمة. لقد تكررت مشاهد الانقسام حتى أصبح المواطن العربي يفقد ثقته تدريجياً في جدوى هذه المؤسسة وقدرتها على الفعل.
وعند مقارنة الجامعة العربية بمنظمات إقليمية أخرى، تتضح الفجوة بصورة كبيرة. فالـ الاتحاد الأوروبي، رغم اختلاف لغات وثقافات ومصالح دوله، نجح في بناء سوق اقتصادية موحدة، وعملة مشتركة، وبرلمان مؤثر، وسياسات جماعية في مجالات عديدة. أما الاتحاد الأفريقي فقد تمكن – رغم التحديات الهائلة التي تواجه القارة الأفريقية – من لعب أدوار سياسية وأمنية ملموسة في عدد من النزاعات، وأصبح أكثر حضوراً في القضايا القارية.
في المقابل، ما تزال الجامعة العربية أسيرة الخلافات الثنائية والمحاور السياسية المتصارعة، دون آليات ملزمة لتنفيذ القرارات أو رؤية استراتيجية موحدة تحفظ المصالح العربية المشتركة. حتى الملفات التي يفترض أنها تجمع العرب بحكم اللغة والتاريخ والمصير المشترك، أصبحت سبباً إضافياً للانقسام.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في ضعف المؤسسة، بل في غياب الإرادة السياسية العربية لتطويرها ومنحها صلاحيات حقيقية. فالجامعة العربية لا تستطيع أن تكون أقوى من أعضائها، لكن استمرارها بهذا الشكل يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى بقائها بصيغتها الحالية.
لذلك، فإن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً شجاعاً وصريحاً: إما الشروع في إصلاح جذري يعيد بناء الجامعة العربية على أسس جديدة أكثر فاعلية واستقلالية، مع تفعيل آليات تنفيذ القرارات وتعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي، أو الاعتراف بفشل التجربة الحالية والبحث عن بدائل أكثر قدرة على خدمة الشعوب العربية.
فالمؤسسات الإقليمية لا تُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرتها على صناعة التأثير وحماية مصالح شعوبها. وإذا ظلت الجامعة العربية عاجزة عن مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، فإن التاريخ قد يسجل أنها كانت مشروعاً طموحاً لم ينجح أحد في تحويله إلى واقع مؤثر.
أتكاءة جمركية: دور الجمارك في مكافحة التهريب وحماية الاقتصاد الوطني
تعد قوات الجمارك حائط الصد الأول للأمن القومي والاقتصادي، فهي لا تقتصر وظيفتها على الجانب …





