‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين شبح الانفجار وضرورة الحسم الوطني قراءة تحليلية في تعقيدات المشهد الأمني والسياسي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان بين شبح الانفجار وضرورة الحسم الوطني قراءة تحليلية في تعقيدات المشهد الأمني والسياسي

حديث الساعة الهام سالم منصور 

لا يمكن قراءة المشهد السوداني اليوم بمعزل عن التجربة القاسية التي عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فالسودان لم يعد يحتمل أي أخطاء سياسية أو أمنية جديدة، لأن تكلفة الخطأ أصبحت باهظة جدًا، ليس على مستوى السلطة فقط، بل على مستوى الوطن بكامله. لذلك فإن أي احتقان بين المكونات المسلحة أو القوى المتحالفة مع الدولة يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضية أمن قومي لا خلافًا عابرًا يمكن تجاوزه بالصمت أو التأجيل.

إن حالة التوتر التي بدأت تطفو بين القوات المشتركة والنور قبة تفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل التحالفات العسكرية والسياسية في السودان، خاصة أن البلاد ما تزال تعيش آثار الحرب والانقسام وفقدان الثقة بين كثير من الأطراف. والتجربة السودانية علمتنا أن أغلب النزاعات تبدأ بخلافات محدودة حول النفوذ والسلطة والتمركز، ثم تتحول تدريجيًا إلى مواجهات يصعب السيطرة عليها لاحقًا.

المعضلة الحقيقية ليست فقط في وجود الخلاف، بل في كيفية التعامل معه. فالدولة السودانية دفعت ثمنًا قاسيًا عندما سمحت بتمدد قوى مسلحة خارج الإطار العسكري الرسمي، وحينها ظن البعض أن التفاهمات السياسية والتحالفات المؤقتة كافية لضبط التوازنات، لكن الواقع أثبت أن أي قوة تحمل السلاح وتملك النفوذ والمال والانتشار الميداني يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مركز قوة موازٍ للدولة نفسها.

ومن هنا تأتي خطورة تجاهل المشهد الحالي. فالمواطن السوداني الذي عاش ويلات الحرب لم يعد ينظر إلى انتشار السلاح داخل المدن باعتباره أمرًا طبيعيًا أو جزءًا من المشهد الأمني، بل أصبح يراه تهديدًا مباشرًا لحياته اليومية ولمستقبل أبنائه. إن وجود أي قوات مسلحة داخل المدن، مهما كانت مبرراته، يخلق حالة من التوتر النفسي والخوف العام، لأن الذاكرة السودانية ما تزال مليئة بصور الاشتباكات والانتهاكات والانفلات الأمني.

ولهذا فإن المطلوب اليوم من الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليس فقط التدخل لاحتواء الأزمة، بل وضع رؤية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح. فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني واضح يقوم على مبدأ احتكار الدولة للقوة العسكرية، بحيث لا يكون هناك أي تشكيل مسلح خارج المؤسسة العسكرية الرسمية مهما كانت المبررات أو التحالفات.

إن أخطر ما يهدد الدول الخارجة من الحروب هو تعدد مراكز القوة، لأن ذلك يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف هيبة الدولة وخلق ولاءات متناقضة داخل المجتمع. وعندما تصبح بعض القوى أقوى من القانون أو خارج سلطة المؤسسات، فإن الدولة تدخل مرحلة التفكك البطيء حتى وإن بدا المشهد هادئًا ظاهريًا.

الرؤية التحليلية للمشهد تشير إلى أن السودان يمر الآن بمرحلة “إعادة تشكيل النفوذ”، وهي مرحلة خطيرة جدًا عادة ما تعقب الحروب والصراعات الكبرى. ففي مثل هذه الظروف تبدأ القوى المختلفة في محاولة تثبيت مواقعها السياسية والعسكرية، وقد تتحول الخلافات المحدودة إلى صراع مفتوح إذا غابت الإدارة الحكيمة والحاسمة من الدولة.

كما أن هناك جانبًا نفسيًا مهمًا لا يجب تجاهله، وهو حالة الإرهاق الشعبي العام. فالمواطن السوداني اليوم يعيش ضغطًا اقتصاديًا وأمنيًا وإنسانيًا هائلًا، وبالتالي فإن أي بوادر صراع جديدة ستدفع المجتمع إلى مزيد من الإحباط وفقدان الثقة في قدرة الدولة على استعادة الاستقرار. ولذلك فإن الحسم هنا لا يعني المواجهة العسكرية، بل يعني فرض هيبة القانون ومنع أي مظاهر قد تعيد البلاد إلى مربع الفوضى.

ومن الضروري أيضًا أن تدرك كل القوى السياسية والمسلحة أن السودان بعد الحرب ليس كما قبلها. فالناس لم تعد تبحث عن الشعارات، بل عن الأمن والاستقرار وعودة الحياة الطبيعية. المواطن يريد مدرسة آمنة، ومستشفى يعمل، وشارعًا بلا ارتكازات وسلاح وخوف، وهذه أبسط حقوقه في وطن أنهكته الصراعات.

إن بناء السودان الجديد لن يتحقق عبر التحالفات الهشة أو الاتفاقات المؤقتة، وإنما عبر مشروع دولة حقيقي يقوم على جيش وطني واحد، ومؤسسات قوية، وعدالة متوازنة، وخطاب وطني يعلو فوق الجهوية والقبلية والمصالح الضيقة. فكل تجربة قامت على تعدد السلاح انتهت إما بحرب أهلية أو بانهيار الدولة.

السودان الآن أمام اختبار تاريخي حقيقي؛ فإما أن تتعلم القيادة من دروس الماضي وتتحرك مبكرًا لإغلاق أبواب الفتنة، أو تترك الأزمة تتضخم حتى تصبح خارج السيطرة. والحكمة السياسية الحقيقية ليست في إدارة الأزمات بعد انفجارها، بل في منع انفجارها من الأساس.

ويبقى السؤال الأهم:

هل ينجح السودان هذه المرة في بناء دولة المؤسسات والقانون، أم أن شبح التكرار سيعيد إنتاج المأساة بصورة أكثر قسوة؟

السبت ١٦مايو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

“مشاد” تحذر من كارثة إنسانية غير مسبوقة بالسودان وتطالب بتحرك دولي عاجل لإنقاذ الملايين

حذرت منظمة “مشاد” من التدهور الإنساني الكارثي والمتسارع في السودان جراء استمرار الحرب واتس…