‫الرئيسية‬ مقالات عندما يتحوّل التطاول على شعائر الإسلام إلى إساءةٍ للمقدسات
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

عندما يتحوّل التطاول على شعائر الإسلام إلى إساءةٍ للمقدسات

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطّلعتُ على مقالٍ متداولٍ في بعض منصات الميديا، كتبه المدعو علي عبداللطيف المعروف بـ(الكجنكي)، تضمّن جملةً من الشبهات والادعاءات الخطيرة التي تمسّ شعيرة الحج وثوابت الإسلام، في طرحٍ اتسم بالخلط والتجني أكثر من كونه نقاشًا علميًا أو نقدًا موضوعيًا. ومن أبرز ما أورده الكاتب:

أولًا: زعمه أن الحج “ليس خاصًا بالمسلمين”، وأنه شعيرة مفتوحة لكل الملل والأديان.

ثانيًا: تشبيهه تنظيم الحج بما عُرف تاريخيًا بـ“صكوك الغفران”.

ثالثًا: ادعاؤه أن موضع البيت الحرام الحالي ليس هو المكان الذي ارتبط بإبراهيم عليه السلام، مع اتهام المملكة العربية السعودية بتزييف الحقائق التاريخية والجغرافية.

رابعًا: تصويره تنظيم الحج وإجراءاته وكأنه احتكارٌ سياسي أو استغلالٌ ديني.

وهذه الشبهات ليست جديدة في أصلها، لكنها تتكرر بصيغ مختلفة على ألسنة من يخوضون في قضايا الدين دون علمٍ راسخ، أو ممن تدفعهم الخصومات السياسية إلى تجاوز حدود الأدب مع المقدسات الإسلامية.

أما قوله إن الحج شعيرة لكل الناس بمختلف مللهم، فهذا تلبيس ظاهر؛ لأن القرآن حين قال:﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] فالمقصود بالناس هنا: الناس الذين خوطبوا بالإيمان والتوحيد، لا أن الحج يُفتح لكل العقائد المختلفة لتؤدي شعائر الإسلام كما تشاء. ولهذا قال تعالى أيضًا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28]. فكيف يُستدل بآية ويُترك غيرها؟ وكيف يُجتزأ النص القرآني لخدمة طرحٍ أيديولوجي أو خصومة سياسية؟ إن الحج عبادة توحيدية خالصة، تقوم على التجرد لله وحده، وليس مهرجانًا دينيًا مفتوحًا للعقائد المختلفة.

أما تشبيهه تنظيم الحج بـ“صكوك الغفران”، فهو قياسٌ فاسد؛ لأن الكنيسة في العصور الوسطى كانت تبيع الغفران بزعم امتلاكها مفاتيح النجاة، بينما الإسلام يقرر أن المغفرة بيد الله وحده، وأن الحج عبادة لها شروط وضوابط شرعية، والاستطاعة فيها أصل معتبر، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. كما أن الإجراءات التنظيمية المتعلقة بالحج ليست بيعًا للمغفرة، وإنما ترتيبات إدارية وخدمية تفرضها طبيعة إدارة ملايين البشر في زمانٍ ومكانٍ محدودين، حفاظًا على الأرواح وتحقيقًا للمصالح العامة، وهو ما يدخل ضمن السياسة الشرعية التي تقوم على رعاية المصالح ودرء المفاسد.

أما زعمه أن موضع البيت الحرام الحالي لم يرتبط بإبراهيم عليه السلام، فهو قولٌ قديم أُعيدت صياغته بثوبٍ جديد. فقد سبق أن أثار طه حسين شبهات مشابهة في كتابه «في الشعر الجاهلي»، متأثرًا بمنهج الشك الذي تلقّاه عن بعض المدارس الاستشراقية، حيث قال:

“للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها.”وقال أيضًا: “إن هذه القصة — قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة وأنهما جدَّا العرب العدنانية — أمرها واضح؛ فهي حديثة العهد، ظهرت قبيل الإسلام، واستغلها الإسلام لسبب ديني.”

غير أن هذه الدعاوى تصطدم بصريح القرآن الكريم، الذي نصّ بوضوح على ارتباط إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالبيت الحرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: 26].

ولهذا فإن إعادة تدوير هذه الشبهات اليوم لا يُعد كشفًا علميًا جديدًا، بل تكرارًا لاعتراضات قديمة تصدّى لها العلماء والباحثون، وبيّنوا ما فيها من اضطرابٍ ومصادمةٍ للنصوص القطعية والتاريخ المتواتر عند المسلمين.

ولا يخفى على أحد ما تبذله المملكة العربية السعودية من جهود عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، من توسعات تاريخية، ومشروعات ضخمة، وخدمات أمنية وصحية وتنظيمية يشهد بها المسلمون من مختلف أنحاء العالم. وقد أصبحت تجربة إدارة الحج نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات الإنسانية، وهو أمرٌ يُنصف فيه المنصفون مهما اختلفوا سياسيًا.

إن النقد الموضوعي أمرٌ مشروع، لكن تحويله إلى إساءةٍ للمقدسات، أو تشكيكٍ في ثوابت الدين، أو طعنٍ في شعيرة الحج ومكانة البيت الحرام، أمرٌ مرفوض شرعًا وعقلًا وأدبًا. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

وفي الختام، فإن من الواجب على الكتّاب والإعلاميين أن يتقوا الله فيما يكتبون، وأن يدركوا أن الحديث عن المقدسات الإسلامية ليس مجالًا للعبث أو الإثارة أو تصفية الحسابات السياسية، بل هو بابٌ يجب أن يُتناول بعلمٍ وعدلٍ واحترام. كما أن حماية ثوابت الأمة وصيانة شعائرها مسؤولية مشتركة، تحفظ للأمة دينها ووحدتها وهيبتها.

‫شاهد أيضًا‬

مخدر الكوكايين

نواصل مقالاتنا التوعوية و التثقيفية عن أضرار المخدرات، ونتحدث اليوم عن *مخدر الكوكايين*. &…