‫الرئيسية‬ مقالات نحو ميثاق أخلاقي واجتماعي للوجود السوداني في مصر
مقالات - ‫‫‫‏‫16 دقيقة مضت‬

نحو ميثاق أخلاقي واجتماعي للوجود السوداني في مصر

أجيال النيل د.سهام موسى مصر

لم يكن خروج السودانيين إلى أرض الكنانة في أعقاب هذه الحرب المفروضة عليهم خروجاً ترفياً أو بحثاً عن سياحة، بل كان فراراً بالأنفس والأعراض، ولجوءاً إلى عمق تاريخي وجغرافي طالما مثل امتداداً طبيعياً لبلاد النيلين. ومن منظور علم النفس الاجتماعي والإرشاد الأسري، فإن موجات النزوح القسري الكبرى تصاحبها دائماً هزات نفسية واجتماعية عنيفة تخلخل البنى السلوكية المعتادة، وتفرز ظواهر طارئة نتيجة للصدمة وفقدان الاستقرار. غير أن ما يشهده الفضاء العام الرقمي والواقعي اليوم من تجاذبات وتوتر في العلاقات بين بعض الأفراد من الجانبين السوداني والمصري، يستدعي وقفة شجاعة ومكاشفة ومصارحة مع الذات أولاً، ومعالجة عاقلة ومتزنة ثانياً، بعيداً عن الانفعال أو لوم الآخر المطلق.

إن أولى خطوات العلاج النفسي والاجتماعي هي مواجهة الواقع كما هو. فمن ناحية، يجب الاعتراف بأن الوجود السوداني الكثيف، الذي يضم ملايين الوافدين، قد حمل معه تباينات مجتمعية واضحة. ولقد برزت في الآونة الأخيرة بعض السلوكيات والمظاهر الفردية الدخيلة التي لا تعبر عن أصالة الشخصية السودانية المعروفة بحيائها وقيمها المحافظة؛ كسلوكيات بعض الشباب في الفضاءات العامة، والنزاعات الفردية، وبعض المظاهر التي تخدش الحياء العام أو تضرب بقوانين البلد المضيف عرض الحائط، ناهيك عن الإسفاف الرقمي الذي يقوده بعض صناع المحتوى “واللايفاتية” عبر منصات التواصل الاجتماعي مشوهين الوجه المشرق لبلادهم. هذه التصرفات، وإن كانت تمثل فئة محدودة، إلا أنها تُتخذ كذريعة لتعميم الأحكام وتشويه سمعة شعب كامل عُرف عبر العصور بالأمانة، والعفة، والوقار.

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الفلتات السلوكية الفردية لا تبرر بأي حال من الأحوال حملات الشتائم والتعميم الجائر والإساءات الجماعية الموجهة ضد الماجدات والحرائر من نساء السودان، أو الوصم بصفات بذيئة تطال مجتمعاً بأكمله. فالتعميم هو آفة الوعي، والخطأ الفردي يجب أن يحاسب عليه صاحبه بموجب القانون المصري الصارم، دون إلقاء اللائمة على شعب يمر بنكبة وطن. إن حماية النسيج المشترك تقتضي ألا يقابل الخطأ الفردي بخطيئة جماعية تؤجج الفتن وتخدم أجندات الساعين لتدمير الإنسان السوداني معنوياً بعد أن دُمرت ممتلكاته مادياً.

إننا من موقعنا كمتخصصين في الإرشاد الأسري والاجتماعي، نؤكد أن الاحترام يبدأ من الداخل؛ “احترم نفسك أولاً يحترمك الآخرون”. لذا، يصبح لزاماً على الكيانات الرسمية والأهلية السودانية في مصر—وعلى رأسها السفارة السودانية، والجالية، ومنظمات المجتمع المدني—تفعيل دورها بصورة استراتيجية وعلمية. نحن بحاجة ماسة إلى ما يمكن تسميته “مجلس رعاية اجتماعية وقانونية تطوعي”، يستثمر عقول آلاف العلماء والخبراء السودانيين المقيمين في مصر لوضع برامج توعوية مستمرة، وضبط المتفلتين، وتوجيه الأسر نحو مراعاة خصوصية وثقافة وسلوكيات المجتمع المضيف. يجب أن تتكامل الأدوار لتوجيه الخطاب الإعلامي نحو إبراز النماذج المضيئة والمشرفة، وتطويق المظاهر السالبة بالحكمة والقانون.

وفي هذا المقام، وبينما تشتد أمواج الغربة وتضيق النفوس، نذكر أهلنا بقول الحق سبحانه وتعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» [فصلت: 34]. فالحلم وسعة الصدر هما سلاح الغريب، والالتزام بأدب الضيافة هو الحصن الحصين. وكما قال الشاعر العربي: وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهِم … فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَماً وَعَويلا

إن الأخلاق هي ملاك الأمر كله، وفي الشدائد والمحن تُختبر معادن الشعوب. وكما تروي الحكمة المأثورة: “يا غريب كن أديب”، وهي نصيحة لا تعني الخنوع أو التفريط في الكرامة، بل تعني السمو بالنفس والابتعاد عن مواطن الشبهات وسفاسف الأمور، لقطع الطريق على كل من يتربص بالوجود السوداني سوءاً. فالمواطن في غربته هو سفير لوطنه، وسلوكه هو المرآة التي يرى فيها الآخرون حضارة بلاده.

ختاماً، يجب أن ندرك جميعاً أن هذه الأيام هي أيام استثنائية، وعارض عابر في تاريخ العلاقات الأزلية بين الشعبين، ولن يطول الليل حتى تضع الحرب أوزارها ويعود السودانيون إلى ديارهم رافعي الرؤوس لبناء وطنهم المكلوم. وحتى يأتي ذلك اليوم الموعود، ليكن شعارنا التعايش بسلام، والترابط الأسري المتين، والاحترام المتبادل، وصون اللسان واليد عن كل ما يشين. ولتكن هذه المحنة فرصة لتمحيص الأنفس وتنقيتها، مؤمنين بأن فرج الله قريب، وأن حسن الخلق هو أبقى ما يتركه الإنسان من أثر في حلّه وترحاله.

‫شاهد أيضًا‬

نداء إنساني إلى وزير الصحة الاتحادي

إلى السيد الدكتور هيثم محمد إبراهيم تحية واحتراماً،، الزميلة الصحفية إلهام سالم منصور، ظلت…