نفط هجليج تحت التهديد
اسماعيل شريف

لا يمثل تهديد تحالف السودان التأسيسي باغلاق خطوط النفط من حقل هجليج مجرد توقف فني مؤقت أو ميداني لمنشأة اقتصادية، بل يعد تطوراً بالغ الخطورة في مسار الحرب السودانية، لأن النفط ظل طوال العقود الماضية أحد أهم مصادر الإيرادات والسيولة والنفوذ السياسي في السودان وجنوب السودان معاً.
فالخطوط النفطية التي تمر عبر الأراضي السودانية تمثل شرياناً حيوياً لاقتصاد دولة جنوب السودان، التي تعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط في تمويل موازنتها العامة ودفع المرتبات واستيراد السلع الأساسية. وبالتالي فإن أي تعطيل لهذه الخطوط يعني عملياً خنق الاقتصاد الجنوبي وإدخاله في أزمة سيولة خانقة قد تنعكس على الاستقرار السياسي والأمني في جوبا.
دولةجنوب السودان تجد نفسها اليوم أمام معضلة معقدة فهي دولة حبيسة لا تمتلك منفذاً بحرياً بديلاً، كما أن بنيتها التحتية النفطية مرتبطة تاريخياً بخطوط التصدير السودانية التي تنتهي إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر. ولذلك فإن توقف الضخ أو تعطل خطوط النقل يعني خسائر يومية ضخمة، وتراجعاً حاداً في الإيرادات الحكومية، مع احتمالات اتساع الضغوط المعيشية وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية.
الحكومة السودانية ستواجه تداعيات اقتصادية قاسية، لأن رسوم عبور نفط الجنوب وتكريره وتخزينه تمثل أحد المصادر المهمة للعملات الأجنبية والإيرادات السيادية.
وفي ظل الحرب الحالية وتطورات الحرب الامريكية الاسرائيلية على إيران وحالة الانكماش النشاط الاقتصادي الدولي وازمة الطاقة مع تراجع الصادرات الزراعية والصناعية المحلية ، تصبح عائدات النفط أكثر أهمية للحفاظ على الحد الأدنى من الإنفاق الحكومي وتمويل العمليات العسكرية والخدمات الأساسية.
إغلاق الخطوط سيؤدي أيضاً إلى خسائر غير مباشرة تتعلق بسمعة السودان كممر آمن للطاقة والاستثمار. فالشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط ستنظر إلى الوضع باعتباره مؤشراً خطيراً على هشاشة البيئة الاستثمارية، مما قد يدفع بعضها إلى تجميد نشاطه أو إعادة تقييم وجوده في المنطقة.
أما حكومة “تأسيس” أو أي سلطة موازية تسعى لبناء نفوذ سياسي أو إداري في مناطق الإنتاج أو العبور، فإن ملف النفط يمنحها ورقة ضغط استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحدٍ بالغ التعقيد.
فالسيطرة على مناطق النفط أو خطوط الإمداد لا تعني بالضرورة القدرة على تشغيلها أو الاستفادة الاقتصادية منها، لأن صناعة النفط تعتمد على شبكة دولية معقدة تشمل الشركات والتأمين والموانئ والخبرات الفنية والاعتراف السياسي.
كما أن أي محاولة لاستخدام النفط كورقة صراع قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المجتمعات المحلية نفسها، خاصة في كردفان والمناطق المنتجة، حيث يعتمد كثير من السكان بصورة غير مباشرة على النشاط الاقتصادي المرتبط بالنفط.
ومن الناحية السياسية، فإن تعطيل خطوط النفط قد يدفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى زيادة اهتمامها بالأزمة السودانية، لأن استقرار تدفقات الطاقة في المنطقة يرتبط بحسابات اقتصادية وأمنية تتجاوز السودان وحده.
فكلما اقتربت الحرب من منشآت النفط والبنية التحتية الاستراتيجية، زادت احتمالات التدخلات والضغوط الدولية لإيجاد ترتيبات تحمي المصالح الاقتصادية الحيوية.
الأخطر من ذلك أن استمرار استهداف البنية النفطية قد يقود إلى تدهور طويل المدى في القطاع نفسه، بسبب الأعطال الفنية والتسربات البيئية وصعوبة الصيانة، وهو ما قد يحتاج سنوات لإعادة التأهيل حتى بعد توقف الحرب.
وفي المحصلة، فإن إغلاق خطوط البترول لا يعكس فقط أزمة اقتصادية، بل يكشف كيف تحولت الحرب السودانية من صراع سياسي وعسكري إلى معركة تمس أعصاب الدولة العميقة: الاقتصاد، والطاقة، والعلاقات الإقليمية، ومستقبل السودان الموحد نفسه.
عندما تتحول الكلمة إلى فتنة الموقف الشرعي من الطعن في ولاة الأمر
طلعتُ على مقالٍ كتبه أخي الفاضل الدكتور حسن الهواري حول الألفاظ التي تُطلق على رئيس مجلس ا…





