‫الرئيسية‬ مقالات عندما تتحول الكلمة إلى فتنة الموقف الشرعي من الطعن في ولاة الأمر
مقالات - ‫‫‫‏‫31 ثانية مضت‬

عندما تتحول الكلمة إلى فتنة الموقف الشرعي من الطعن في ولاة الأمر

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

طلعتُ على مقالٍ كتبه أخي الفاضل الدكتور حسن الهواري حول الألفاظ التي تُطلق على رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقد أحسن حين نبّه إلى خطورة هذا المسلك، وأضم صوتي إلى صوته؛ إذ أصبحنا نرى في بعض المنابر ووسائل التواصل ألفاظًا جارحة وعباراتٍ سوقية تُوجَّه إلى قائد الجيش وإلى الجيش السوداني، من سبٍّ وسخريةٍ وتجريحٍ وتسفيه، بل وصل الأمر إلى استخدام أوصافٍ لا تليق بمسلمٍ فضلًا عن أن تُوجَّه إلى من يتولى شأنًا عامًا من شؤون المسلمين.

ولا شك أن هذا الباب من أخطر الأبواب؛ لأنه لا يتعلق بمجرد خلافٍ سياسي، بل يتعلق بحفظ الجماعة، وهيبة الدولة، ومنع الفوضى، وسد أبواب الفتن التي إذا اشتعلت أحرقت الجميع.

إن منهج الإسلام في التعامل مع ولاة الأمر ليس قائمًا على الفوضى، ولا على الشتم والتحريض، ولا على إثارة العامة ضد الحكام، وإنما هو منهجٌ رباني متوازن يجمع بين النصيحة الشرعية، والصبر، وحفظ الجماعة، ومنع الفتن، وتحقيق المصالح ودفع المفاسد.

وقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة تؤكد هذا الأصل العظيم.

قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيرها:“أولو الأمر هم الأمراء والعلماء”.تفسير ابن كثير (2/345).وقال سبحانه ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].فهذه النصوص تبين أن التنازع والفوضى والطعن المؤدي إلى شق الصف من أعظم أسباب الضعف والانهيار. وفي السنة النبوية جاءت النصوص أوضح وأشد بيانًا.ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية».وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك».وقال ﷺ: «من أهان السلطان أهانه الله».رواه الترمذي، وحسنه بعض أهل العلم. وقال ﷺ:

«الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».رواه مسلم.

لكن كيف تكون النصيحة؟

هل تكون بالسباب والتشهير والمنابر وإثارة العامة؟ الجواب: لا.

فقد قال النبي ﷺ: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه». رواه الإمام أحمد وصححه الألباني. وهذا الحديث أصلٌ عظيم في باب التعامل مع الحكام؛ إذ يبين أن النصيحة الشرعية لا تكون بالتشهير، ولا بإثارة الجماهير، ولا بتحويل الأخطاء إلى وقودٍ للفتن والصدامات.

وكان السلف الصالح شديدي التحذير من إثارة الناس على الولاة. قال الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله: “لو كانت لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان؛ لأن في صلاحه صلاح العباد والبلاد”. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (ومن غَلبَ عليهم- يعني الولاةَ- بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين؛ فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيتَ ولا يراهُ إماما برا كان أو فاجرا) . ” الأحكام السلطانية “، لأبي يعلى: ص٢٣. وقال الحافظ في الفتح: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتَغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقنِ الدماء، وتسكين الدهماء) ج ١٣، ص٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقل من خرج على إِمام ذي سلطان؛ إِلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير) منهاج السنة ج ٢ ص٢٤١. وقال الطّحاوي رحمه الله في (عقيدته): (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ).وقال رحمه الله أيضا: (وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) وقال الإمام البربهاري رحمه الله في (شرح السنَّة): (وإذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو على السلطان فاعلم أنَّه صاحبُ هوى، وإذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو للسلطان بالصّلاح فاعلم أنَّه صاحبُ سنَّةٍ إن شاء الله)

ومن يتأمل تاريخ الأمة يدرك أن أكثر الدماء والفتن والخراب إنما بدأت بكلمات التحريض، ثم تحولت إلى انقسامات، ثم إلى اقتتال، ثم إلى انهيار دول وتمزيق مجتمعات.

ولهذا كان أهل السنة يفرقون بين النصيحة الشرعية وبين خطاب التحريض والإسقاط. فليس كل من تكلم باسم الإصلاح يكون مصلحًا، وليس كل صوت مرتفع صاحب حق، بل قد تكون الكلمة بابًا من أبواب الفتنة وإن ظن صاحبها أنه يحسن صنعًا.

ولا يعني هذا أن الحكام معصومون من الخطأ، فالعصمة للأنبياء وحدهم، لكن الشريعة جاءت بمعالجة الأخطاء بطريقة تحفظ الدين والدماء والجماعة، لا بطريقة تشعل الفوضى وتفتح أبواب الاحتراب.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطابٍ راشد يزن الأمور بميزان الشرع لا بميزان الغضب والانفعال، خطابٍ يدعو إلى الإصلاح بالحكمة، ويحفظ للأمة وحدتها، ويمنع تحويل المنابر إلى ساحات سبٍّ وتحريض وتشويه.

فالطعن في ولاة الأمر، وإسقاط هيبة المؤسسات، وإثارة الجماهير عبر المنابر ووسائل الإعلام، ليس طريقًا للإصلاح، بل كثيرًا ما كان مقدمةً للفتن وسفك الدماء وضياع الأوطان.

نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا الحكمة والبصيرة، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى.

‫شاهد أيضًا‬

الفريق الغالي ينعى الفريق شرطة عصمت أحمد بابكر ويشيد بمسيرته الوطنية والإدارية

ينعى الفريق دكتور محمد الغالي علي يوسف الأمين العام لمجلس السيادة الانتقالي ببالغ الحزن وا…