‫الرئيسية‬ مقالات مبادرة البرهان.. السيادة أولاً ورسالة السودان إلى العالم: لا وصاية على القرار الوطني
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

مبادرة البرهان.. السيادة أولاً ورسالة السودان إلى العالم: لا وصاية على القرار الوطني

حديث الساعة إلهام سالم منصور

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، وفي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جاءت مبادرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل البلاد وشكل المرحلة القادمة. وبين مؤيد يرى فيها مخرجاً وطنياً للأزمة، ومراقب يتساءل عن مدى قدرتها على إقناع المجتمع الدولي، تبقى الحقيقة أن المبادرة تحمل في جوهرها رسالة سياسية واضحة مفادها أن السودان متمسك بسيادته الوطنية وأن قراره يجب أن يصنع داخل حدوده لا خارجها.

لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من كثرة المبادرات والتدخلات الخارجية التي حاولت رسم ملامح المشهد السياسي السوداني، بعضها جاء بدوافع إيجابية للمساعدة في تحقيق الاستقرار، وبعضها الآخر ارتبط بمصالح وأجندات إقليمية ودولية لا تخفى على أحد. ومن هنا يمكن قراءة مبادرة البرهان باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وإعادة التأكيد على أن السودانيين هم أصحاب الحق الأول في تقرير مصير بلادهم.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سترضي المبادرة المجتمع الدولي؟

الإجابة ليست سهلة، لأن المجتمع الدولي لا ينظر إلى المبادرات من زاوية واحدة. فهو يبحث عن الاستقرار، وحماية المدنيين، ووقف الحرب، وتهيئة المناخ للحوار السياسي الشامل، وعودة مؤسسات الدولة للقيام بدورها الطبيعي. وإذا نجحت المبادرة في تحقيق هذه الأهداف أو الاقتراب منها، فإنها بلا شك ستجد قبولاً ودعماً من العديد من الأطراف الدولية.

لكن في المقابل، فإن المبادرة تبدو وكأنها تضع حدوداً واضحة لأي تدخل خارجي يتجاوز دور الدعم والمساندة إلى محاولة فرض الوصاية على القرار الوطني. وهي رسالة يفهمها كثير من السودانيين الذين يرون أن بلادهم دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات والتجاذبات الدولية التي انعكست سلباً على الداخل السوداني.

إن السودان اليوم ليس في معركة عسكرية فقط، بل في معركة للحفاظ على هويته الوطنية ووحدة أراضيه واستقلال قراره السياسي. ولذلك فإن أي مبادرة وطنية تضع هذه المبادئ في مقدمة أولوياتها تجد صدى واسعاً لدى قطاعات كبيرة من الشعب السوداني.

كما أن المبادرة تحمل رسالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الدولة السودانية ما زالت قادرة على إنتاج الحلول من داخل مؤسساتها الوطنية، وأن مرحلة الاعتماد الكامل على الوسطاء الخارجيين يجب أن تفسح المجال أمام حوار سوداني ـ سوداني يشارك فيه الجميع دون إقصاء، ويؤسس لمستقبل يقوم على التوافق والشراكة الوطنية.

غير أن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً بمدى قدرتها على جمع الفرقاء حول مائدة واحدة، وتقديم ضمانات حقيقية لبناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق العدالة وإنصاف المتضررين من الحرب، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بأمان وكرامة.

إن العالم يحترم الدول القادرة على إدارة شؤونها بنفسها، ويحترم الشعوب التي تتمسك بحقها في صناعة مستقبلها. ولذلك فإن الرسالة التي يمكن أن يفهمها المجتمع الدولي من مبادرة البرهان هي أن السودان لا يرفض التعاون مع العالم، لكنه يرفض أن يتحول هذا التعاون إلى تدخل في شؤونه الداخلية أو انتقاص من سيادته الوطنية.

واليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى اصطفاف وطني شامل تتقدم فيه مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والجهوية والشخصية، لأن معركة بناء الدولة لا تقل أهمية عن معركة الدفاع عنها. فالأوطان لا تُبنى بالخلافات والانقسامات، وإنما بالإرادة الوطنية الصادقة والرؤية المشتركة التي تجمع أبناء الوطن الواحد.

ويبقى الأمل أن تكون هذه المبادرة خطوة نحو مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والسلام ووحدة الصف، وأن تحمل للسودانيين رسالة طمأنينة بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل متى ما توحدت الإرادات وتغلب صوت الحكمة على أصوات الفرقة والشتات.

فالسودان أكبر من الأحزاب، وأبقى من الخلافات، وأغلى من كل المكاسب المؤقتة، وسيظل وطن الجميع مهما اشتدت العواصف وتعددت التحديات.

 

مبادرة البرهان ليست مجرد مبادرة سياسية عابرة، بل رسالة سيادية تقول للعالم إن السودان منفتح على التعاون والشراكات، لكنه متمسك بحقه الكامل في أن يكتب مستقبله بيد أبنائه،مخ بعيداً عن أي وصاية أو تدخل في قراره الوطني المستقل.

الاحد ١يونيو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

حوار البرهان هل سيعبر بالسودان؟

بعد ثلاثة أعوام معركة الكرامة يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق لا يقل أهمية عن ساحات القتا…