‫الرئيسية‬ مقالات جنودنا البواسل… القابضون على الجمر
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

جنودنا البواسل… القابضون على الجمر

اسماعيل شريف

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الأمم، تبرز الحاجة إلى مؤسسات قادرة على حفظ الدولة ومنع انهيارها، خصوصًا عندما تتعرض البلاد لحروب وصراعات تهدد وجودها ووحدتها. وفي السودان، وبعد سنوات طويلة من التجاذبات السياسية والانقسامات الحزبية والصراعات الأيديولوجية التي أضعفت مؤسسات الدولة وأسهمت في تعقيد المشهد الوطني، يطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا حول طبيعة المرحلة المقبلة ومن الجهة الأقدر على إدارتها.

لقد كشفت التجارب السياسية المتعاقبة عن عجز القوى الحزبية والتنظيمات السياسية عن الوصول إلى مشروع وطني جامع يحقق الاستقرار ويؤسس لدولة المؤسسات. كما أن حالة الاستقطاب الحاد التي شهدتها الساحة العامة، بما فيها الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أسهمت في تعميق الانقسام أكثر من تقديم حلول عملية للأزمات المتراكمة.

في المقابل، تظل القوات النظامية السودانية، ممثلة في القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية، من أقدم المؤسسات الوطنية وأكثرها انتشارًا وتنظيمًا. فمنذ تأسيس الجيش السوداني الحديث قبل أكثر من قرن، تراكمت لديه خبرات واسعة في الإدارة والتنظيم والعمل المؤسسي، كما أنه يضم في صفوفه أبناء السودان من مختلف الأقاليم والمكونات الاجتماعية، الأمر الذي جعله في نظر كثيرين أحد أهم مظلات الوحدة الوطنية.

أما الشرطة السودانية، التي يعود تاريخها إلى بدايات القرن العشرين، فقد لعبت أدوارًا محورية في حفظ الأمن والاستقرار وتطوير العمل الإداري والخدمي في مختلف أنحاء البلاد، بينما يمتلك جهاز المخابرات السوداني رصيدًا كبيرًا من المعلومات والخبرات المتصلة بالشأن الوطني وتعقيداته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة الرئيس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للحوار فرصة تستحق الدراسة والتأمل، ليس فقط باعتبارها مدخلًا لإنهاء الحرب، وإنما كذلك بوصفها فرصة للتوافق على مرحلة انتقالية تركز أولًا على استعادة الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة المناسبة للعمل السياسي السلمي.

إن نجاح أي فترة انتقالية يتطلب تحديد أهداف واضحة، في مقدمتها بسط الأمن، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وإصلاح الخدمة المدنية، وتهيئة المناخ لعملية سياسية حقيقية تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب السوداني من يحكمه عبر صناديق الاقتراع.

غير أن الدعوة إلى فترة انتقالية تقودها المؤسسات العسكرية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة لحكم دائم أو مفتوح الأجل، وإنما باعتبارها مرحلة استثنائية تفرضها ظروف استثنائية تعيشها البلاد. فنجاح هذه المرحلة يرتبط بوجود أهداف محددة وجدول زمني واضح ومعايير معلنة لقياس التقدم في ملفات الأمن وإعادة الإعمار وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل الطبيعي. كما يتطلب الأمر وجود آليات للرقابة والمساءلة وضمان مشاركة الكفاءات الوطنية في إدارة الشأن العام، حتى تكون المرحلة الانتقالية جسرًا نحو الاستقرار والديمقراطية لا بديلًا عنهما.

وعندما تنجز هذه المهام الأساسية وتتهيأ البيئة السياسية والأمنية المناسبة، يصبح الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر انتخابات حرة ونزيهة هو الخيار الطبيعي الذي يمنح الشرعية للحكم ويؤسس لاستقرار دائم. فالقوات النظامية، بحكم دورها الوطني، تستطيع أن تكون الضامن لأمن البلاد ووحدتها خلال هذه المرحلة، بينما يبقى الشعب السوداني صاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه عند اكتمال شروط العملية الديمقراطية.

لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا للصراعات والانقسامات والتنافس على السلطة، وأصبح السودانيون اليوم أكثر تطلعًا إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويضع حدًا لمعاناة المواطنين. وفي ظل التحديات الراهنة، فإن الأولوية تبقى لاستعادة الأمن والاستقرار وحماية مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدتها وسيادتها.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين جميعًا، مدنيين وعسكريين، على تقديم مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية، والعمل من أجل سودان آمن ومستقر يستعيد مكانته بين الأمم، ويمضي بثقة نحو مستقبل تصنعه إرادة شعبه وتحميه مؤسساته الوطنية.

‫شاهد أيضًا‬

المؤسسة العسكرية السودانية وصناعة مجد السودان الجديد البرهان.. قائد مرحلة الصمود واستعادة الدولة

في لحظات التحولات الكبرى التي تمر بها الأمم، يبرز القادة الذين تصنعهم التحديات وتختبرهم ال…