‫الرئيسية‬ مقالات القاهرة نقطة انطلاق.. هندسة التعافي لشرايين النقل والبنية التحتية في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

القاهرة نقطة انطلاق.. هندسة التعافي لشرايين النقل والبنية التحتية في السودان

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

يبدو أن العاصمة المصرية القاهرة قد تحولت خلال الأيام الماضية إلى ورشة عمل استراتيجية، ومحطة انطلاق حقيقية لجهود إعادة صياغة وهندسة قطاع النقل والبنية التحتية في السودان. من يراقب الحراك المكثف والمكوكي لوزارة البنية التحتية والنقل السودانية مؤخراً، يدرك تماماً أننا لسنا أمام مجرد زيارات بروتوكولية أو لقاءات عابرة، بل نحن بصدد حراك عملي يسابق الزمن لوضع اللبنات الأساسية لمرحلة “التعافي والإعمار”، معتمداً على شراكات إقليمية وعربية ذات ثقل استراتيجي وتنموي.

ولعل الخطوة الأبرز في هذا المسار هي التوجه المدروس نحو الاستفادة القصوى من المدرسة المصرية العريقة في إدارة وتطوير قطاع الطيران المدني. فاللقاءات الثنائية مع القيادات المعنية بالطيران في مصر لم تقتصر على تبادل عبارات المجاملة التي تفرضها الروابط التاريخية، بل غاصت في صلب الاحتياجات الفنية والتقنية. إن التركيز على تأهيل الكوادر السودانية، ونقل الخبرات في مجالات الملاحة الجوية وتطوير المطارات، يعكس إدراكاً عميقاً بأن التدريب المهني والفني هو حجر الزاوية لأي نهضة تنموية. فالبنية التحتية الفاعلة ليست مجرد مدارج أسمنتية أو مباني شاهقة، بل هي في جوهرها عقول مدربة قادرة على الإدارة والتشغيل بكفاءة تواكب أحدث المعايير العالمية.

هذا التحرك لم يقتصر على البعد الثنائي المباشر، بل اتسع بذكاء ليشمل المظلة العربية الأشمل، من خلال الانفتاح على مؤسسات العمل العربي المشترك. إن فتح قنوات الحوار المباشر مع الاتحادات النوعية المعنية بالنقل البحري والموانئ والملاحة، وطرح فرص الاستثمار في الطرق الحيوية والموانئ النهرية والبحرية، يمثل دعوة مفتوحة وجادة لرأس المال العربي ليكون شريكاً أصيلاً في إعادة إعمار السودان. وما يلفت الانتباه هنا، ويبعث على التفاؤل الممزوج بالطموح، هو التوافق على فكرة تنظيم “مؤتمر للنقل الذكي” في الربع الثالث من العام الجاري. هذا التوجه الواضح نحو “النقل المستدام والذكي” يؤكد أن الرؤية المستقبلية لا تسعى فقط لإصلاح ما دمرته الظروف، بل تهدف للقفز إلى الأمام وتبني تقنيات النقل الحديثة التي باتت لغة العصر والمحرك الأساسي لتعافي الاقتصادات الوطنية.

وفي قلب هذه التحركات الاستراتيجية، يبقى ملف “الناقل الوطني” صاحب الرمزية الكبرى والسيادة. إن التحركات الحثيثة لدعم الإدارة الإقليمية للخطوط الجوية السودانية في القاهرة، والتنسيق الوثيق مع البعثة الدبلوماسية لتذليل العقبات التشغيلية، تعكس إرادة سياسية وإدارية حازمة لإعادة التحليق بهذا الرمز الوطني في سماء الريادة. وما يضفي أبعاداً أعمق على هذا الملف تحديداً، هو التناغم الفريد بين الجهد الرسمي والنبض المجتمعي. فالمبادرات التطوعية التي أعلنت مساندتها ومؤازرتها لجهود النهوض بالناقل الوطني، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مشاريع التعافي الكبرى تكتسب مناعتها ونجاحها الحقيقي عندما تتضافر فيها خطط الدولة مع وعي ودعم وإسناد المجتمع.

خلاصة القول، إن قطاع النقل بكل تفرعاته؛ البرية والبحرية والجوية، هو الشريان الحيوي الذي يضخ دماء الحياة في جسد الاقتصاد الوطني. وما نلمسه اليوم في القاهرة من هندسة دقيقة لشراكات ذكية، وتأكيد مستمر على نقل المعرفة، وسعي حثيث نحو تطوير بنية تحتية مستدامة، يبشر بأن مرحلة التعافي السودانية قد بدأت تخطو خطواتها العملية الأولى على أرض صلبة. ويبقى التحدي الأكبر والمأمول هو تحويل هذه الرؤى الاستراتيجية والمقترحات الواعدة إلى مشاريع تنموية ملموسة، يشعر بها المواطن السوداني، وتدفع بعجلة التنمية نحو آفاق أرحب.

‫شاهد أيضًا‬

انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة الخامسة والثلاثون ​عزلة قسرية..!! 

​■ بعد سقوط المدن الكبيرة خيّم على قرى الجزيرة حال من الخوف والوجوم، وتبدل أمان البيوت وطم…