‫الرئيسية‬ مقالات “ديمغرافية أقاليم السودان وتناسبها مع النظام اللامركزي”
مقالات - ‫‫‫‏‫35 ثانية مضت‬

“ديمغرافية أقاليم السودان وتناسبها مع النظام اللامركزي”

ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون

من أهم الوصايا التي خلّفها من تولّوا إدارة الحكم في السودان خلال فترات الديمقراطية الأولى والثانية، عند مراجعتهم لتجربتهم السياسية، تبين لهم أن السودان بلد متنوع الأعراق، واسع المساحات، وأن نظام الحكم المركزي لا يلبي تطلعات شعوب أقاليمه المختلفة. وقد خلصوا إلى أن النظام اللامركزية هو الأقرب لتحقيق الاستقرار السياسي، لما يوفره من عدالة في توزيع السلطة والثروة، ويحدّ من الصراعات بين المركز والأقاليم.

 

إذا كانت هذه الرؤية قد طُرحت في ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتبلور بشكل واضح مفاهيم التهميش وصراع الهامش والمركز، فكيف بنا اليوم، ونحن نعيش واقعاً مليئاً بالصراعات الداخلية، التي يتمحور معظمها حول السلطة، وتغذيها اختلافات ثقافية واجتماعية، إلى جانب تزايد وعي الأقاليم بحقوقها، وشعورها بعدم التناسب بين مواردها وإمكاناتها من جهة، وما تحصل عليه من عائدات لإدارة شؤون دولابها من جهة أخرى.

 

إن هذه التحديات، في مجملها، يمكن معالجتها عبر التحول من نظام الحكم المركزي إلى النظام اللامركزي، بحيث تصبح الأقاليم وحدات شبه مستقلة، تدير شؤونها بذاتها، وتلبي تطلعات شعوبها، بينما يظل المركز إطاراً سيادياً، وسلطة رقابية يشرف على الأداء العام لحكومات الأقاليم ويضمن وحدة الدولة.

 

فعلى سبيل المثال، يُعد إقليم شرق السودان نموذجاً لإقليم غني بالتنوع الإثني والثقافي، ويمتلك موارد زراعية واعدة، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي كبوابة بحرية تربط السودان بحركة التجارة العالمية. إن تطبيق نظام ذاتي في هذا الإقليم من شأنه أن يطلق طاقات التنمية، ويعزز فرص الاستثمار، بما ينعكس إيجاباً على اقتصاده المحلي والاقتصاد القومي.
أما الإقليم الشمالي، الذي يعاني كسائر الأقاليم المهمّشة، من نقص واضح في الخدمات الأساسية، وتأخر ملحوظ في مسارات التنمية، إلا أن شعبه عُرف بالهدوء والتمسك باستقرار الدولة، وتقديم المصلحة الوطنية على أي نزعات تمرد. وتكمن أهميته في كونه مصدراً رئيسياً للمياه العذبة، وموطناً لمناجم الذهب، إضافة إلى ما يمتلكه من مقومات سياحية واعدة.. تلك مقومات تناسبها النظام اللامركزية.

 

وفي إقليم الوسط، حيث يمتد التاريخ الثقافي العريق للسودان، يبرز مشروع الجزيرة كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، والذي يمكن أن يستعيد دوره الريادي إذا أُوكلت إدارته إلى سلطة إقليمية أكثر قرباً من احتياجات مواطنيه، وأكثر حرصاً على تحقيق التنمية المحلية.

أما بقية الأقاليم، التي تحتضن أكبر التنوعات الإثنية في البلاد، وتمتد على مساحات جغرافية شاسعة وغنية بالموارد، وتتمتع بثقل سكاني كبير، فهي في ذات الوقت تعيش صراعات عميقة ناتجة عن الفوارق الاجتماعية، قبل أن تدخل في صراعها مع الدولة المركزية. وتتمثل هذه الأقاليم في إقليم النيل الأزرق، وكردفان، وإقليم دارفور العنيدة .
لقد انشغلت شعوب هذه الأقاليم طويلاً بالمطالبة بحقوقها المشروعة في السلطة والثروة، ونشأت أجيال فيها على اعتبار السلاح وسيلة لانتزاع تلك الحقوق، في ظل واقع لم تتحقق فيه العدالة. ولم تهدأ هذه الأقاليم، ما دامت مقومات الدولة السياسية والاقتصادية والأكاديمية وحتى الصحية متركزة في رقعة جغرافية محدودة تُعرف بالعاصمة.

 

غير أنه إذا أُتيحت لهذه الأقاليم فرصة إدارة مواردها بصورة مستقلة ضمن نظام لامركزي حقيقي، فإنها تنصرف نحو التنافس في مجالات التنمية، وستتحول بوصلة اهتمامها إلى بناء أقاليمها والنهوض بها. وحينها، سينشغل أبناؤها بتعزيز التعايش السلمي، بعد أن أنهكتهم الصراعات، وأدركوا أن الأرض إن لم تُعمّر دُمّرت، وأن الحياة أولى من استمرار النزاعات، وأن الموت حق ودائرتها تسع الجميع.
لذلك، فإن دولة مثل السودان، التي تتميز بتركيبة إنسانية فريدة، تختلف عن كثير من جيرانها في القارة الأفريقية، وبمستوى وعي متقدم لدى شعبها في فهم متطلبات إدارة الدولة الحديثة، هي دولة تتناسب بطبيعتها مع نظام اللامركزية.

 

إن هذا النظام من شأنه أن يعالج اختلال توزيع السلطة، ويضمن تمثيلاً عادلاً في المناصب الوزارية والمقاعد البرلمانية وفقاً للثقل السكاني لكل إقليم، كما يسهم في احتواء الحركات المسلحة ضمن أطر سياسية وتنموية داخل أقاليمها. وبذلك، يتراجع خطر التمرد، وتنتفي احتمالات الانفصال الجغرافي أو السياسي، التي قد تقود إلى تفكك الدولة إلى كيانات متناحرة.

‫شاهد أيضًا‬

هل أصبح فساد بعض الناس مبررًا لفساد الأخلاق؟

أثار مقطعٌ متداول من حفل الفنان طه سليمان جدلًا واسعًا في وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بع…