‫الرئيسية‬ مقالات السودان… لماذا نحاول إلغاء من نختلف معه؟
مقالات - ‫‫‫‏‫19 ساعة مضت‬

السودان… لماذا نحاول إلغاء من نختلف معه؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات 

عودة إليك عزيزي المواطن السوداني…

نحاول عبر هذا المقال أن نقترب من سؤال يبدو مألوفًا في ظاهره، لكنه ربما من أكثر الأسئلة تعقيدًا في التجربة السودانية المعاصرة:

لماذا عندما نختلف مع الآخر نحاول شيطنته وإلغاءه؟

قد نظن أن السبب هو اختلاف المصالح أو تضارب الرؤى…

لكن الحقيقة ربما أعمق من ذلك.

في كثير من الأحيان لا نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عمن يشبهنا.

لا نريد من يفتح نافذة جديدة… بل من يؤكد ما نعرفه.

لا نريد من يسأل… بل من يعيد الإجابة نفسها.

ولا نريد من يناقش… بل من يطمئننا أننا على صواب.

ومن هنا تبدأ الأزمة.

فالخلاف لم يكن يومًا عيبًا في المجتمعات الحية، بل إن القدرة على إدارة الاختلاف هي أحد أهم شروط بقائها.

لكن حين يتحول الاختلاف إلى تصنيف… ثم إلى تخوين… ثم إلى إلغاء… يصبح الوطن نفسه ساحة تنافس على من يملك حق تعريفه.

وحين تتحول السياسة إلى معركة هوية، ويتحول الرأي إلى معيار للوطنية، يصبح المختلف خصمًا… ثم خطرًا… ثم شيئًا يجب إبعاده.

وهكذا لا نعود نختلف حول الأفكار…

بل نبدأ في الاختلاف على من يملك حق الانتماء أصلًا.

ولعل السودان دفع ثمن هذا المنطق أكثر مما ينبغي.

ففي أكثر من محطة، لم تكن المشكلة أن السودانيين اختلفوا، بل أنهم تعاملوا مع الاختلاف باعتباره نهاية للعلاقة لا بداية لحوار جديد.

كل مرحلة جاءت وهي تحمل وعد الخلاص…

لكنها بدأت بإبعاد من سبقها.

فتغيرت الوجوه…

وتبدلت الشعارات…

 

وبقي السؤال القديم واقفًا في مكانه:

 

لماذا لا نستطيع أن نختلف دون أن نخسر الوطن؟

 

وفي هذا السياق يبرز سؤال يتردد كثيرًا في المجال العام السوداني:

 

هل الأزمات التي يعيشها السودان تنشأ وحدها… أم أن هناك من يعيد إنتاجها ويستثمر فيها؟

 

وربما لا تكون الإجابة – وفق منظور رؤية الجسر والمورد – في البحث عن فاعل واحد، بقدر ما تكون في فهم البيئة التي تجعل الأزمة قادرة على الاستمرار.

فالأزمات الكبرى لا تستمر لأن طرفًا واحدًا يريدها فقط…

بل لأنها تجد شروطًا تسمح لها بالبقاء.

 

ومن هنا يمكن قراءة بعض المؤشرات الاستراتيجية التي تجعل الأزمة قابلة لإعادة الإنتاج:

 

– حين يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة وجودية.

– حين تصبح الروايات المتعددة بديلًا عن الحقيقة المشتركة.

– حين تُدار الموارد بمنطق النفوذ لا بمنطق المصلحة العامة.

– حين تضعف المساحات الوطنية الجامعة.

– حين تصبح الأزمة مصدرًا للشرعية أو النفوذ أو البقاء.

 

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس:

من يصنع الأزمة؟

بل:

ما الذي يجعل الأزمة قابلة للاستمرار مهما تغيرت الأسماء؟

وهنا يبرز سؤال آخر ربما يستحق أن يُطرح بهدوء:

هل كان غياب البرلمان أحد العوامل التي ساهمت في تعميق الأزمات السودانية؟

ليس لأن البرلمان مؤسسة معصومة من الخطأ…

ولا لأن وجوده وحده يكفي لصناعة الاستقرار…

لكن لأن وجود المؤسسات التمثيلية لا يقتصر على صناعة القوانين، بل يمتد إلى إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى صراع.

فالبرلمان – في جوهر فكرته – ليس مبنى ولا مقاعد…

بل مساحة منظمة لتحويل التناقضات إلى نقاش، والاحتجاج إلى مساءلة، والاختلاف إلى تسويات ممكنة.

وحين تضعف المؤسسات التي تستوعب التباين…

تبدأ الخلافات في البحث عن ساحات أخرى للتعبير.

فتنتقل من الحوار إلى الاستقطاب…

ومن المنافسة إلى المواجهة…

ومن السياسة إلى الأزمة.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل غياب البرلمان هو سبب الأزمة؟

بل:

هل امتلك السودان ما يكفي من المؤسسات التي تجعل إدارة الخلاف أقل كلفة من إدارة الصراع؟

وفي هذه اللحظة وأنا أكتب هذه السطور…

أستدعي كل سوداني بمعنى الكلمة.

أستدعي أبناء القوات المسلحة، والدعم السريع، والإسلاميين، والشيوعيين، والاتحاديين، وحزب الأمة، والمؤتمر السوداني، وكل القوى السياسية والاجتماعية بلا استثناء.

وأستدعي كذلك كل من صار يُعرف اليوم بلقب أو تصنيف أو موقف.

وأطرح سؤالًا لا يحمل اتهامًا ولا يصادر رأيًا…

بل يبحث عن مساحة مشتركة:

على ماذا نتقاتل ونختلف… ألسنا جميعًا سودانيين؟

قد تختلف المشاريع.

وقد تتباين القراءات.

وقد تتعارض الأولويات.

لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى نفي متبادل أو احتكار للحقيقة.

فالسودان لم يصل إلى هذه اللحظة لأن الأفكار قليلة…

ولا لأن المبادرات غائبة…

بل لأن المساحات التي تسمح لنا أن نختلف دون أن ننكسر أصبحت أضيق من أن تتسع للجميع.

ومن هنا جاءت الحاجة إلى التفكير خارج منطق المبادرة التقليدية.

وهنا تبرز فلسفة رؤية الجسر والمورد.

ليست باعتبارها مشروعًا مغلقًا…

ولا وصفة جاهزة…

ولا منصة تنافس الآخرين.

بل باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الأزمة والفرصة.

تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة:

أن الأزمات لا تحمل الخسائر فقط…

بل تخفي داخلها فرصًا لم تُستثمر بعد.

وأن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ بإلغاء ما هو موجود…

بل بإعادة وصل ما انقطع.

ولهذا لا تسأل الرؤية:

من صاحب الفكرة؟

بل تسأل:

هل تستطيع أن تخدم السودان؟

ولا تسأل:

من أي اتجاه جاءت المبادرة؟

بل تسأل:

هل يمكن أن تصبح جزءًا من الحل؟

إنها تنظر إلى الأفكار كما تُبنى الجسور…

لا تكتمل بحجر واحد…

ولا تحملها جهة واحدة.

ولهذا لا تقوم على إقصاء أحد.

فالأوطان لا تُبنى بمنطق الغالب والمغلوب.

ولا تستقر حين ينتصر طرف ويختفي آخر.

بل تُبنى حين يكتشف المختلفون أن الجلوس إلى الطاولة ليس تنازلًا…

بل بداية طريق.

السودان اليوم لا يحتاج إلى نسخة واحدة من أبنائه.

ولا يحتاج إلى أصوات متشابهة.

إنما يحتاج إلى اتفاق كبير على أن اختلافنا لا يلغي سودانيتنا.

ويحتاج إلى شجاعة أكبر تقول:

لا أحد يملك الحقيقة كاملة… لكن الجميع يملكون جزءًا منها.

● فهل نريد سودانًا ينتصر فيه طرف على طرف…

● أم وطنًا يجد فيه الجميع مكانًا دون خوف ودون إقصاء؟

وربما تكون بداية الخروج من الأزمة ليست أن ننتصر على بعضنا…

بل أن نتوقف عن اعتبار بعضنا أزمة.

لأن الجسر لا يُبنى بين المتشابهين… وإنما بين الضفاف.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

مخابرات بكامل الصلاحيات: ذراع الدولة لحسم فوضى الأمن والاقتصاد

Ghariba2013@gmail.com تمر الدولة السودانية بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وخطورة في تاريخ…