‫الرئيسية‬ مقالات السودان من السفوح إلى القمم.. ثروات عملاقة وخطة استراتيجية لصناعة المستقبل
مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

السودان من السفوح إلى القمم.. ثروات عملاقة وخطة استراتيجية لصناعة المستقبل

حديث الساعة إلهام سالم منصور

حين يتحدث البعض عن الأزمة الاقتصادية في السودان، فإنهم ينظرون إلى الواقع الراهن بما يحمله من تحديات وصعوبات، لكن النظرة الاستراتيجية للمستقبل تكشف أن السودان ليس بلداً فقيراً، بل واحد من أغنى دول المنطقة بالموارد الطبيعية والبشرية. المشكلة الحقيقية ليست في نقص الثروات، وإنما في كيفية إدارتها واستثمارها وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية تحقق الرفاهية للمواطن وتدعم خزينة الدولة.

يمتلك السودان أكثر من مائتي مليون فدان صالحة للزراعة، بالإضافة إلى موارد مائية ضخمة من نهر النيل وروافده والأمطار الموسمية والمياه الجوفية. وتشير العديد من الدراسات إلى أن الاستثمار الأمثل في القطاع الزراعي يمكن أن يحقق مليارات الدولارات سنوياً من صادرات القمح والذرة والسمسم والفول السوداني والصمغ العربي والقطن والخضروات والفاكهة. ولو تم استغلال نصف هذه المساحات فقط وفق أحدث التقنيات الزراعية، لأصبح السودان من أكبر الدول المصدرة للغذاء في إفريقيا والعالم العربي.

أما الثروة الحيوانية فتضم ملايين الرؤوس من الأبقار والأغنام والإبل والماعز، وهي من أكبر الثروات الحيوانية في القارة الإفريقية. غير أن معظم الصادرات تتم في شكل خام، بينما يمكن مضاعفة العائدات عدة مرات عبر إنشاء المسالخ الحديثة ومصانع اللحوم والألبان والجلود والأعلاف. إن تصدير المنتجات المصنعة بدلاً من الحيوانات الحية يفتح أبواباً واسعة لزيادة الدخل القومي وخلق آلاف الوظائف للشباب.

وفي قطاع التعدين، يمتلك السودان احتياطيات كبيرة من الذهب والحديد والنحاس والكروم والمنغنيز ومعادن أخرى ما تزال كثير من مناطقها بحاجة إلى الاستكشاف والتطوير. ويعد الذهب حالياً أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لكن التهريب وضعف التصنيع يحرم البلاد من عائدات ضخمة. ولو تم إحكام الرقابة وإنشاء مصافي ومجمعات صناعية متخصصة، لأصبحت عائدات التعدين ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

كذلك يتمتع السودان بموقع جغرافي استراتيجي يجعله بوابة للتجارة بين إفريقيا والعالم العربي. فميناء بورتسودان يمكن أن يتحول إلى مركز لوجستي إقليمي يخدم العديد من الدول الإفريقية غير المطلة على البحر. كما أن إعادة تأهيل السكك الحديدية والطرق القومية ستسهم في خفض تكاليف النقل وتحريك عجلة التجارة والاستثمار.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الإدارة المثلى للزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية يمكن أن تحقق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، وهو رقم كفيل بإحداث تحول جذري في الاقتصاد السوداني. فهذه العائدات ستنعكس على تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير الكهرباء والمياه، وإنشاء البنى التحتية، ورفع مستوى دخل المواطن.

لكن الوصول إلى هذه النتائج يتطلب خطة استراتيجية وطنية تقوم على عدة محاور؛ أولها تحقيق الأمن والاستقرار، وثانيها محاربة الفساد والتهريب، وثالثها جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، ورابعها تطوير التعليم الفني والتقني لإعداد الكوادر القادرة على قيادة التنمية.

إن السودان اليوم لا يقف على حافة الفقر كما يعتقد البعض، بل يقف فوق كنوز هائلة تنتظر الإدارة الحكيمة والرؤية الوطنية الصادقة. وإذا نجح السودانيون في توظيف هذه الموارد بعيداً عن الصراعات والمصالح الضيقة، فإن السنوات القادمة يمكن أن تشهد تحولاً اقتصادياً غير مسبوق ينقل البلاد من دائرة الأزمات إلى فضاء الإنتاج والازدهار.

فالسودان ليس محتاجاً إلى اكتشاف ثروات جديدة، وإنما يحتاج إلى اكتشاف أفضل السبل لإدارة ثرواته الحالية. وعندما تتحول هذه الثروات إلى مصانع ومزارع وموانئ ومشروعات تنموية، سيصبح الوطن قادراً على الصعود من السفوح إلى القمم، ومن ضيق الأزمات إلى رحابة المستقبل المشرق.

السودان يملك كل مقومات النهضة، ويبقى الرهان الحقيقي على حسن الإدارة والإرادة الوطنية التي تجعل من الثروة نعمةً للتنمية لا سبباً للصراع.

السبت ٢٠يونيو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

ماذا بعد صالوا وصلنا ؟.

وصالوا صولة فيمن يليهم ، وصلنا صولة فيمن يلينا ، هذا ماقاله الجاهلي عمرو بن كلثوم التغلبي …